الجاحظ

219

المحاسن والأضداد

فإن يكن قد علا رأسي وغيّره * صرف الزّمان ، وتغيير من الشّعر فقد أروح للذّات الفتى جذلا * وقد أصيد بها أعينا من البقر عنّي إليك فإنّي لا توافقني * غور الكلام ، ولا شرب على الكدر قال : وقال الحجاج لابن القرية : « ما تقول في التزويج » ؟ قال : « وجدت أسعد الناس في الدنيا ، وأقرّهم عينا ، وأطيبهم عيشا ، وأبقاهم سرورا ، وأرخاهم بالا ، وأشبّهم شبابا ، من رزقه اللّه زوجة مسلمة أمينة عفيفة حسنة لطيفة نظيفة مطيعة ، إن ائتمنها زوجها وجدها أمينة ، وإن قتّر عليها وجدها قانعة ، وإن غاب عنها كانت له حافظة ، تجد زوجها أبدا ناعما ، وجارها سالما ، ومملوكها آمنا ، وصبيّها طاهرا ، قد ستر حلمها جهلها ، وزيّن دينها عقلها ، فتلك كالريحانة والنخلة لمن يجتنيها ، وكاللؤلؤة التي لم تثقب ، والمسكة التي لم تفتق قوّامه صوامة ضاحكة بسّامة ، إن أيسرت شكرت ، وإن أعسرت صبرت ، فأفلح وأنجح من رزقه اللّه مثل هذه ، وإنما مثل المرأة السوء كالحمل الثقيل على الشيخ الضعيف ، يجرّه في الأرض جرا ، فبعلها مشغول ، وجارها مقبول ، وصبيها مرذول ، وقطها مهزول » . قال : « يا ابن القرية ، قم الآن فاخطب لي هند بنت أسماء ، ولا تزد على ثلاث كلمات » . فأتاهم ، فقال : « جئت من عند من تعلمون ، والأمير يعطيكم ما تسألون ، أفتنكحون أم تدعون » ؟ قالوا : « أنكحنا وغنمنا » . فرجع إلى الحجاج ، فقال : « أصلح اللّه الأمير ، صلاح من رضي عمله ، ومدّ في الخيرات أجله ، وبلغ به أمله ، جمع اللّه شملك ، وأدام طولك ، وأقر عينك ، ووقاك حينك ، وأعلى كعبك ، وذلل صعبك ، وحسن حالك على الرفاء والبنين والبنات ، والتيسير والبركة ، وأسعد السعود وأيمن الجدود ، وجعلها اللّه ودودا ولودا ، وجمع بينكما على الخير والبركة ، فتزوجها الحجاج ، ثم إنه دخل ذات يوم عليها وهي تقول : وما هند إلّا مهرة عربيّة * سليلة أفراس تجلّلها بغل