الجاحظ

185

المحاسن والأضداد

الأعرابيات حدثنا ثعلب « 1 » عن الفتح بن خاقان « 2 » قال : لما خرج المتوكل إلى دمشق ، كنت عديله ، فلما صرنا بقنسرين ، قطعت بنو سليم على التجار ، فأنهى ذلك إليه ، فوجه قائدا من وجوه قواده إليهم فحاصرهم ، فلما قربنا من القوم ، إذا نحن بجارية ذات جمال وهيئة ، وهي تقول : أمير المؤمنين سما إلينا * سموّ البدر مال به الغريف فإن نسلم فعفو اللّه نرجو * وإن نقتل فقاتلنا شريف فقال لها المتوكل : « أحسنت ، ما جزاؤها يا فتح » ، قلت : « العفو والصلة » ، فأمر لها بعشرة آلاف درهم وقال لها : « مرّي إلى قومك وقولي لهم : « لا تردوا المال على التجار فإني أعوضهم عنه » . قال الأصمعي : خرجت إلى بادية فإذا أنا بخباء فيه امرأة ، فدنوت فسلمت ، فإذا هي أحسن الناس وجها ، وأعدلهم قامة ، وأفصحهم لسانا ، فحار فيها بصري ، واعترتني خجلة ، فقالت : « ما وقوفك » ؟ فقلت : هل عندكم من مخيض اليوم نشربه * أم هل سبيل إلى تقبيل عينيك فلست أبغي سوى عينيك منزلة * أم هل تجودي لنا عضّا بخدّيك أو تأذنين بريق منك أرشفه * أو لمس بطنك أو تغميز ثدييك

--> ( 1 ) ثعلب : هو أحمد بن يحيى الشيباني بالولاء ، أمير الكوفيين بالنحو واللغة ، رواية محدث صادق . ولد ومات في بغداد . من كتبه : الفصيح ، قواعد الشعر . ( 2 ) الفتح بن خاقان أديب شاعر استوزره المتوكل وقتل معه سنة 247 ه . له الروضة والزهر .