الجاحظ
126
المحاسن والأضداد
وعنه قال : كان الأحوص بن جعفر المخزومي يتغذى في دير اللج في يوم شديد البرد ومعه حمزة بن بيض وسراقة البارقي ، فلما كان على ظهر الكوفة وعليه الوبر والخز وعليهما الأطمار قال حمزة لسراقة : أين يذهب بنا في البرد ونحن في اطمار ؟ قال : سأكفيكه . فبينما هو يسير إذ دنا منهم راكب مقبل فحرك سراقة دابته نحوه وواقفه ساعة ولحق بالأحوص ، فقال له : ما خبرك الراكب ؟ قال : زعم أن خوارج خرجت بالقطقطانة . قال : بعيد . قال : إن الخوارج تسير في ليلة ثلاثين فرسخا وأكثر . وكان الأحوص أحد الجبناء فثنى رأس دابته وقال : ردوا طعامنا نتغذى في المنزل . فلما حاذى منزله قال لأصحابه : ادخلوا . ومضى إلى خالد بن عبد اللّه القسري فقال : خرجت خارجة بالقطقطانة . فنادى خالد في العسكر فجمعهم ووجه خيلا تركض نحو اللج لتعرف الخبر فأعلموه أنه لا أصل للخبر . فقال للأحوص : من أعلمك بهذا ؟ قال : سراقة . قال : وأين هو ؟ قال : في منزلي ، فأرسل إليه من أتاه به . قال : أنت أخبرته عن الخارجة ؟ قال : ما فعلت أصلح اللّه الأمير ، قال له الأحوص : أتكذبني بين يدي الأمير ، قال خالد : ويحك أصدقني . قال : نعم أخرجنا في هذا البرد وقد ظاهر الخز والوبر ونحن في اطمارنا هذه فأحببت أن أرده ، فقال له خالد : ويحك وهذا مما يتلاعب به ، وسراقة هذا هو القائل : قالوا سراقة عنّين فقلت لهم * اللّه أعلم إني غير عنين فإن ظننتم بي الشيء الذي زعموا * فقربوني من بنت ابن ياسين وذكروا : أن شبيب بن يزيد الخارجي مرّ بغلام مستنقع في الفرات فقال له : يا غلام اخرج إني أسألك ، فعرفه الغلام فقال له : إني أخاف . أفآمن أنا إذا خرجت حتى ألبس ثيابي : قال : نعم ، فخرج وقال : واللّه لا ألبسها اليوم . فضحك شبيب وقال : خدعتني ورب الكعبة ووكل به رجلا من أصحابه يحفظه ألا يصيبه أحد بمكروه . قال : وكان رجل من الخوارج يقول : فمنّا يزيد والبطين وقعنب * ومنا أمير المؤمنين شبيب