الجاحظ

127

المحاسن والأضداد

فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن مروان فأمر بطلب قائله فأتي به ، فلما وقف بين يديه قال : أنت القائل : « ومنا أمير المؤمنين شبيب . . . » قال : لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين إنما قلت : ومنا أمير المؤمنين شبيب . فضحك عبد الملك وأمر بتخلية سبيله ، فتخلص بدهائه وفطنته لإزالة الأعراب من الرفع إلى النصب . وزعموا أن عمرو بن معدي كرب هجم في بعض غاراته على شابة جميلة منفردة وأخذها فلما أمعن بها بكت . فقال : ما يبكيك ؟ قالت : أبكي لفراقي بنات عمي هن مثلي في الجمال وأفضل مني خرجت معهن فانقطعنا عن الحي ، قال : وأين هن ؟ قالت : خلف ذلك الجبل ووددت إذ أخذتني إنك أخذتهن معي فامض إلى الموضع الذي وصفته فمضى إلى هنالك ، فما شعر بشيء حتى هجم على فارس شاك في السلاح فعرض عليه المصارعة فصارعه الفارس ، ثم عرض عليه ضروبا من المناوشة فغلبه الفارس في كلها . فسأله عمرو عن اسمه فإذا هو ربيعة بن مكرم الكناني فاستنقذ الجارية . وعن عطاء إن مخارق بن عفان ومعن بن زائدة تلقيا رجلا ببلاد الشرك ومعه جارية لم يريا أحسن منها شبابا وجمالا ، فصاحا به خل عنها ، ومعه قوس فرمى بها وهابا الأقدام عليه ، ثم عاد ليرمي فانقطعت وتره وسلم الجارية وأسند في جبل كان قريبا منه فابتدراه وأخذا الجارية ، وكان في أذنها قرط فيه درة فانتزعاه من إذنها ، فقالت : وما قدر هذه لو رأيتما درتين معه في قلنسوته وفي القلنسوة وتر قد أعده ونسيه من الدهش . فلما سمع قول المرأة ذكر الوتر فأخذه وعقده في قوسه ، فوليا ليست لهما همة إلّا الالتجاء وخليا عن الجارية . وعن الهيثم قال : كان الحجاج حسودا لا يتم له صنيعة حتى يفسدها فوجه عمارة بن تميم اللخمي إلى عبد الرحمن محمد بن الأشعث فظفر به وصنع ما صنع ، ورجع إلى الحجاج بالفتح ولم ير منه ما أحب وكره منافرته ، وكان عاقلا رفيقا فجعل يرفق به ويقول : أيها الأمير أشرف العرب ، أنت من شرفته شرف ، ومن وضعته اتضع ، وما ينكر ذلك مع رفقك ويمنك ومشورتك ورأيك ، وما كان هذا كله إلّا بصنع اللّه وتدبيرك وليس أحد أشكر لبلائك مني ومن ابن الأشعث ، وما خطره حتى عزم الحجاج على