الجاحظ
118
المحاسن والأضداد
وقيل لأعرابي : كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله ؟ فقال : وهل العيش إلّا ذاك ؟ يمشي أحدنا ميلا فيرفض عرقا كأنه الجمان ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساه وتقبل الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى . وقال بعض الحكما : عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك . وقيل لأعرابي : ما الغبطة ؟ قال : الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الأخوان ، وقيل : فما الذل ؟ قال : التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان . وقال بعض الأدباء : الغربة ذلة والذلة قلة ، وقال الآخر : لا تنهض عن وطنك ووكرك فتنقصك الغربة وتصمتك الوحدة . وشبهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأمه ولا أب يحدب عليه . وكان يقال : الغريب عن وطنه ومحل رضاعه الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر . وكان يقال : الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشر عن موضعه الذي هو لكل رام رمية ، وأحسن من ذلك وأصدق قول اللّه عز وجل : « ولولا أن كتب اللّه عليهم الجلاء » . وقال تعالى : « ولو أنما كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلّا قليل منهم » فقرن جل ذكره للجلاء عن الوطن بالقتل ، وقال تقدست أسماؤه : « وما لنا ألّا نقاتل في سبيل اللّه وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا » ، فجعل القتال بإزاء الجلاء ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « الخروج عن الوطن عقوبة » ومما قيل في ذلك من الشعر : إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي * وأضحى فؤادي نهبة للهماهم حنينا إلى أرض بها اخضرّ شاربي * وحلت بها عني عقود التمائم والطف قوم بالفتى أهل أرضه * وأرعاهم للمرء حقّ التقادم وقال آخر : أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي * خيام بنجد دونها الطرف يقصر وما نظري من نحو نجد بنافعي * أجل لا ولكني على ذاك انظر ففي كل يوم قطرة ثم عبرة * لعيشك يجري ماؤها يتحدّر