أحمد بن عبد الله الطبري ( المحب الطبري )
89
الرياض النضرة في مناقب العشرة
وقد وكلنا أمرك في يمينك إلى اللّه تعالى ، فارجع إلى عملك فليس نجد الآن من يقوم مقامك ، ولعلنا إن وجدنا من يكفينا عملك وليناه ، فلما مضى عمر لسبيله وولي عثمان شكا جند البصرة شح أبي موسى ، وشكا جند الكوفة ما نقموا عليه ، فخشي عثمان ممالأة الفريقين على أبي موسى فعزله عن البصرة وولاها أكرم الفتيان عبد اللّه بن عامر بن كريز ، وكان من سادات قريش ، وهو الذي سقاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ريقه حين حمل إليه طفلا في مهده . وأما عمرو بن العاص فإنما عزله لأن أهل مصر أكثروا شكايته ، وكان عمر قبل ذلك عزله لشيء بلغه عنه ، ثم لما أظهر توبته رده ، كذلك عزله عثمان لشكاية رعيته ، كيف والرافضة يزعمون أن عمرا كان منافقا في الإسلام ، فقد أصاب عثمان في عزله . فكيف يعترض على عثمان بما هو مصيب فيه عندهم ؟ وأما توليته عبد اللّه فمن حسن النظر عنده ، لأنه تاب وأصلح عمله ، وكانت له فيما ولاه آثار محمودة ، فإنه فتح من تلك النواحي طائفة كبيرة ، حتى انتهى في إغارته على الجزائر التي في بحر بلاد الغرب ، وحصل في فتوحه ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار ، سوى ما غنمه من صنوف الأموال ؛ وبعث بالخمس منها إلى عثمان وفرق الباقي في جنده وكان في جنده جماعة من الصحابة ومن أولادهم : كعقبة بن عامر الجهني ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص ، قاتلوا تحت رايته ، وأدوا طاعته ووجدوه أقوم بسياسة الأمر من عمرو بن العاص . ثم أبان عن حسن رأي في نفسه عند وقوع الفتنة فحين قتل عثمان اعتزل الفريقين ولم يشهد مشهدا ولم يقاتل أحدا بعد قتال المشركين ( وأما عمار بن ياسر ) فأخطئوا في ظن عزله ، فإنه لم يعزله وإنما عزله عمر . كان أهل الكوفة قد شكوه فقال عمر : من يعذرني من أهل الكوفة . إن استعملت عليهم تقيا استضعفوه ، وإن استعملت عليهم قويا فجروه . ثم عزله وولى المغيرة بن شعبة ، فلما ولي عثمان شكوا المغيرة إليه وذكروا أنه ارتشى في بعض أموره