عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
76
الارشاد و التطريز
فلان - سمّاه - بخمسين دينارا ، فقال : فأخذتها ، وخرجت ، فأوّل من لقيت فقير ضرير - أو قال أكمه - بين يدي مزيّن يحلق شعره ، فناولته ذلك ، فقال : أعطه المزيّن . فقلت : إنّها دنانير . فرفع رأسه إليّ ، فقال : ما قلنا لك إنّك بخيل ! فناولتها المزيّن ، فقال : مذ قعد بين يدي هذا الفقير عقدت مع اللّه تعالى عقدا أن لا آخذ على حلاقته شيئا . قال : فأخذتها ، وذهبت إلى البحر ، ورميت بها فيه ، وقلت : فعل اللّه بك وفعل ، ما أحبّك أحد إلّا أذلّه اللّه . رضي اللّه عن الثلاثة ، ونفعنا بهم « 1 » . قلت : فإن اعترض الفقهاء على هذا ، وقالوا : هذا إضاعة مال ، فالجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون فعل ذلك في حال حال ورد عليه ، وذو الحال الغائب غير مكلّف . الثاني : أن يكون أشهد فيها سمّا مهلكا من صارت إليه ، فأتلفها ، كما تتلف الأفعى . الثالث : أن يكون بإشارة مؤذنة بالإذن ، اضطرته إلى ذلك ، ولم يجد عنه محيصا . هذا ما ظهر لي في ذلك واللّه أعلم . * وقيل خرج عبد اللّه بن جعفر الطيّار « 2 » رضي اللّه عنهما إلى ضيعة له . فنزل على نخيل قوم ، وفيها غلام أسود يعمل فيها ، إذ أتي الغلام بقوته ، ودخل كلب من الحائط ، فدنا من الغلام ، فرمى الغلام له بقرص ، فأكله ، ثم رمى إليه بالثاني ، والثالث فأكله ، وعبد اللّه ينظر ، فقال : يا غلام ، كم قوتك كلّ يوم ؟ قال : هو ما رأيت . قال : فلم آثرت هذا الكلب ؟ قال : ما هي بأرض كلاب ، إنّما جاء من مسافة بعيدة جائعا ، فكرهت ردّه . قال : فما أنت صانع اليوم ؟ قال : أطوي يومي هذا . فقال عبد اللّه بن جعفر : يلومونني على السخاء ! وهذا أسخى مني . فاشترى الغلام والحائط وما فيه من الآلات ، فأعتق الغلام ، ووهب له الحائط وما فيه . * وقيل : لما قدم الإمام الشافعي رضي اللّه عنه من صنعاء إلى مكّة كان معه عشرة آلاف دينار ، فقيل له : تشتري بها ضيعة ؟ فضرب خيمة خارج مكّة ، وصبّ الدنانير ، فكلّ من
--> ( 1 ) روض الرياحين صفحة 187 ( الحكاية : 114 ) . ( 2 ) عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ( 1 - 80 ه ) صحابي ، ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها ، وهو أول من ولد بها من المسلمين ، كان كريما يسمى بحر الجود ، وكان أحد الأمراء في جيش علي رضي اللّه عنه يوم صفين ، مات بالمدينة .