عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

205

الارشاد و التطريز

وفي رواية له : « إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه » . قال الإمام محيي الدين النواويّ رضي اللّه عنه في « شرح صحيح مسلم » « 1 » : هذا الحديث من أحاديث الصّفات ، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء ومختصرهما : أنّ أحدهما وهو مذهب جمهور السّلف ، وبعض المتكلّمين ، أنّه نؤمن بأنّها حقّ على ما يليق باللّه تعالى ، وأنّ ظاهرها المتعارف في حقّنا غير مراد ، ولا نتكلّم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه اللّه تعالى عن صفات المخلوق ، وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق . والثاني : مذهب أكثر المتكلّمين وجماعة من السّلف ، وهو محكيّ عن مالك والأوزاعي ، أنّها تتأوّل على ما يليق بها بحسب مواطنها ، فعلى هذا تأوّلوا هذا الحديث تأويلين : أحدهما تأويل مالك بن أنس وغيره ، معناه تنزل رحمته تبارك وتعالى ، أو أمره أو ملائكته ، كما يقال : فعل السّلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره ، والثاني على سبيل الاستعارة ، ومعناه الإقبال على الدّاعي بالإجابة واللّطف ، واللّه أعلم . هذا آخر كلام النّواوي رحمه اللّه تعالى . وقال الإمام حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه : ما أسهل على العارف إرشاد الجاهل أن يقول : إن كان المراد من النّزول إلى السّماء الدّنيا ، ليسمعنا فما سمعنا ، فلا فائدة في النزول . فهذا معنى كلامه رحمه اللّه تعالى . قلت : والذي نعتقده أنّ أحاديث الصّفات ليست على ظاهرها ، وأنّ لها تأويلات تليق بجلال اللّه تعالى ، ولا نقطع بتعيين تأويل منها ؛ بل نكل ذلك إلى العليم الخبير الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] ، وكذلك نعتقد ما اعتقده العارفون والعلماء ، أنّه سبحانه استوى على العرش على الوجه الذي قاله ، وبالمعنى الذي أراده ، استواء منزّها عن الحلول والاستقرار والحركة والانتقال ، لا يحمله العرش ، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ، لا يقال : أين كان ؟ ولا متى كان ؟ كان ولامكان ولا زمان ، وهو الآن على ما عليه كان ، تعالى عن الجهات والأقطار ، والحدود والمقدار ، لا يحلّ في شيء ، ولا يحلّه شيء ، كلّ يوم هو في شأن في أفعاله ، لا في ذاته ولا في

--> المسافرين ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل . ( 1 ) شرح صحيح مسلم 6 / 36 .