عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

142

الارشاد و التطريز

* وقال الشيخ الكبير العارف باللّه أبو إسحاق بن طريف رضي اللّه عنه : خرجت من الإسكندرية قاصدا إلى المغرب ، وأمشي على الصحراء ، فبقيت أياما لم يفتح عليّ شيء ، ففتح عليّ شيء ، فأكلت ، فنمت ، فاحتملت ، وكان الماء بعيدا من الموضع ، فخرجت مهتمّا صارخا ، ويدي على رأسي - أو قال : طارحا بيدي على رأسي - لفوات وردي ، فسمعت هاتفا : يقول المهديّ القائم بأمر اللّه : الجوع الجوع ، فقلت : نعم نعم . * وقال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه : كنت عند الشّيخ أبي إسحاق بن طريف رضي اللّه عنه ، فأتى إليه إنسان ، فسأله : هل يجوز للإنسان أن يعقد على نفسه عقدا لا يحلّه إلّا بنيل مطلوبه ؟ فقال له : نعم ، واستدلّ بحديث أبي لبابة الأنصاري رضي اللّه عنه ، في قصّة بني قريظة ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أما إنّه لو أتاني لاستغفرت له ، ولكن إذ قد فعل ذلك بنفسه فدعوه حتّى يحكم اللّه فيه » « 1 » ، قال : فسمعت هذه المسألة وعقدت على نفسي أني لا أتناول شيئا إلا بإظهار قدرة ، فمكثت ثلاثة أيام ، وكنت إذ ذاك أعمل صناعتي في الحانوت ، فبينما أنا جالس على الكرسي إذ ظهر لي شخص بيده شيء في إناء ، فقال لي : اصبر إلى العشيّ ، تأكل من هذا ، ثم غاب عنّي ، فبينما أنا في وردي بين العشاءين إذ انشقّ الجدار ، فظهرت لي حوراء بيدها ذلك الإناء الذي كان بيد ذلك الشخص ، فيه شيء يشبه العسل ، فتقدّمت إليّ ، وألعقتني منه ثلاثا ، فصعقت وغشي عليّ ، ثم أفقت وقد ذهبت ،

--> ( 1 ) لما نقضت يهود بني قريظة العهد مع المسلمين ، وجاهروا بسبّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حاصرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأرسلت بنو قريظة إلى أبي لبابة بعد أن جمعوا إليه أبناءهم ونساءهم ورجالهم ، وقالوا له : يا أبا لبابة ، أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح إن فعلتم . ثم ندم في الحين ، وعلم أنه خان اللّه ورسوله ، فانطلق إلى المدينة ، ولم يرجع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فربط نفسه في سارية ، وأقسم ألا يبرح من مكانه حتى يتوب اللّه عليه ، فكانت امرأته تحلّه لوقت كل صلاة ، قال ابن عيينة وغيره : وفيه نزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الآية [ الأنفال : 27 ] . فلما بلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أما إنه لو أتاني لاستغفرت له ، وأما إذ فعل ما فعل فلا أطلقه حتى يطلقه اللّه تعالى » فأنزل اللّه تعالى في أمر أبي لبابة : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ الآية [ التوبة : 102 ] . فلما نزل فيه القرآن أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإطلاقه . وكان ما كان من أمر الفتح . رواه البيهقي في الدلائل 4 / 14 ، وابن كثير في البداية والنهاية 4 / 119 . انظر تفسير القرطبي 14 / 140 .