عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

143

الارشاد و التطريز

فلم يطب لي بعد ذلك طعام ، وأشرب قلبي تلك الصّورة ، فما استحسنت بعدها شخصا ، ولا كنت أتمكّن من سماع كلام الخلق ، وأقمت على ذلك مدّة « 1 » . * وقال أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه : قد يمنع اللّه العبد من العمل اختبارا له ؛ لينظر حاله عند الفقد لذلك في تضرّعه وافتقاره ، أو غفلته واستغنائه . * وقال رضي اللّه عنه : إنّ اللّه تعالى يعيد من بركات حركات الظواهر على البواطن ما يكون سببا في تنويرها وصلاحها ، حتى إذا صفت السرائر ، وتخلّصت من شوائب الكدورات ، عادت بالصلاح على الأعمال الظواهر ، فزكت الأعمال ، وارتفعت الأحوال بطهارة أصولها ، وثبات أساسها . * وقال رضي اللّه عنه : رؤية الفضل والمنّة في العمل وإن قلّ ، أتمّ في حقّ واجب الرّبوبية من رؤية التّقصير ، عن القيام بحقّ العبودية . * وقال رضي اللّه عنه : المريد إذا خدم المشايخ والإخوان بالأدب ، أعاد اللّه عليه من بركات أحوالهم ما لم يكن يبلغه بعمل ؛ لأن ما يرد عليه منهم هو ثواب أعمالهم المتقبّلة ، وما يرد عليه منه هو ثواب عمله ، ولا يقدر على تخليصه . * قلت : كنت طالعت منذ زمان في كلام سيدنا الشيخ أبي عبد اللّه القرشي المذكور نفعنا اللّه به ، فرأيت بعد ذلك في النوم بعض الصالحين ، وإذا هو يقول لي : أنت الذي كان معك كلام أبي عبد اللّه القرشي ، لقد كان يفوح هاهنا . يعني مسكا . * وقال القرشيّ رضي اللّه عنه : كنت مرادا بالتقليل ، لم يكن يصفو لي شبع ولا ريّ ولا كسوة ، ولقد أقمت مقدار سنة وعليّ خلق جبّة صوف كنت أضمّها عليّ كيلا تنكشف عورتي ، ولقد كانت عليّ بمكّة محشوّة تقطّعت بطانتها ، فصار القمل يسكن في القطن ، فكنت أقاسي منها شدّة ، فاتفق يوم من الأيام أنّي كنت أغتسل في السّحر عند بئر هناك ، فجاء حرّاب « 2 » ، فأخذها ، فوجدت برد راحتي منها ، وفرحت بأخذها ، فمضى بعض أصحابي يستعير ما ألبسه ، وإذا بالحرّاب قد نظرها في السّراج ، فوجدها لا تساوي شيئا ،

--> ( 1 ) روض الرياحين 84 ( الحكاية : 14 ) . ( 2 ) الحرّاب : المشلّح الناهب ، الذي يعرّي الناس ثيابهم . متن اللغة ( حرب ) . وفي طبقات الصوفية للمناوي 2 / 284 : لص .