أبي هلال العسكري
28
ديوان المعاني
وعلي ذلك يتبين أن أبا هلال يذهب إلى أن مرجع التفاوت في درجة الشعرية هو اللفظ ، لأن اللفظ هو مرجع الأدبية ، وهو مثل السياق يتسع ليشمل كل صنعة دلالية أو صوتية من شأنها أن تؤدي إلى تفاوت مركبين في مستوى الشعرية « 1 » . وقد عرض أبو هلال في ديوان المعاني العديد من الأمثلة التي نستطيع من خلالها إدراك بعض أساليب التداول للمعاني بين الشعراء ، فمنها اختصار المعنى أو الزيادة عليه أو تغيير الغرض أو الجنس الأدبي أو الوزن أو القافية . وكان الهدف الأساسي لغير قليل من أعلام الخطاب النقدي العربي ممن تناولوا قضية السرقات متوجها نحو رصد جوانب الاشتراك والتماثل لتحقيق المعنى القدحي للسرقة ، مما كرس القيمة السلبية لأبواب السرقات أو الكتب التي قامت حولها ، بناء علي وضوح جانب التعصب للقدماء أو المحدثين علي السواء . إلا أن أبا هلال في ديوان المعاني قد تناول القضية - بفهم ثاقب - من جانبها الإيجابي ، مفعّلا لها في إطار تطبيقي قلّما نجده - بهذا الشكل الموسع - عند السابقين عليه ، وكما ذكرت سلفا ، نستطيع أن نجعل من آرائه النقدية في الصناعتين مهادا نظريا ندرس من خلاله معطيات السجلات القيمة التي أعدّها لنا في ديوان المعاني ، من الأشباه والنظائر في المعاني الشعرية التي قسّمها إلى اثني عشر بابا « 2 » في كتابه ، يستطيع المتتبع لها الكشف عن مناحي التطور في التعبير الفني للمعاني الشعرية عند الشعراء ، والسمات الفنية التي تفرد بها بعضهم عن بعض والكشف عن حقائق التجربة الإبداعية ومدى أصالة الحس الفني لديهم . بهذا الفهم العميق لطبيعة المعنى الأدبي وطبيعة تطوره ، يعرض أبو هلال في ديوان المعاني قراءة الشعراء المحدثين لنصوص الشعراء القدماء ، قراءة فنية فعالة
--> ( 1 ) محمد العمري ، البلاغة العربية أصولها وامتداداتها 303 . ( 2 ) وقد خصص أبو هلال كل باب منها لمعنى من المعاني العامة الواسعة وضمنه فصولا صغيرة في الفروع الخاصة للمعنى العام الذي يشمل الباب جميعه .