البغدادي

23

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وإنما عظّم ابتداء معلقة امرئ القيس في النفوس الاقتصار على سماع صدر البيت ، فإنه يشغل الفكر بحسنه عن النظر في ملائمة عجزه ، أو عدم ملائمته ، وهو الذي قيل عند سماعه للمنشد : حسبك فإنّ قائل هذا الكلام أشعر الناس ، لأنه وقف واستوقف ، وبكى واستبكى ، وذكر الحبيب والمنزل في شطر بيت ، ولم يستنشد العجز شغلا بحسن الصدر عنه . وإذا تأمل الناظر في النقد البيت بكماله ، ظهر له تفاوت القسمين . انتهى . ولعمري لقد أحسن الإمام الباقلّاني في « كتاب إعجاز القرآن » بإطالة لسانه بتزيف هذا المطلع حيث قال : الذين يتعصبون لامرئ القيس ، ويدّعون محاسن الشعر يقولون : هذا من البديع ، لأنه وقف واستوقف ، وبكى واستبكى ، وذكر العهد والمنزل والحبيب ، وتوجّع واستوجع ، كلّه في بيت ، ونحو ذلك . وإنما بيّنّا هذا لئلّا يقع لك ذهابنا عن مواضع المحاسن إن كانت ، ولا غفلتنا عن مواضع الصناعة إن وجدت . تأمّل ، أرشدك اللّه ، تعلم أنه ليس في البيتين شيء قد سبق في ميدانه شاعرا ، ولا تقدّم به صانعا . وفي لفظه ومعناه خلل ، فأوّل ذلك أنه استوقف من يبكي لذكر الحبيب ، وذكراه لا يقتضي بكاء الخليّ ، وإنما يصحّ طلب الإسعاد « 1 » في مثل هذا على أن يبكي لبكائه ، ويرقّ لصديقه في شدّة برحائه . فأما أن يبكي على حبيب صديقه ، وعشيق رفيقه ، فأمر محال . فإن كان المطلوب وقوفه وبكاءه أيضا عاشقا ، صحّ الكلام ، وفسد المعنى ، لأنه من السّخف أن لا يغار على حبيبه ، وأن يدعو غيره إلى التغازل عليه ، والتواجد معه فيه . ثم في البيتين ما لا يفيد ، من ذكر هذه المواضع ، وتسمية هذه الأماكن من الدّخول وحومل ، وتوضح والمقراة ، وسقط اللّوى ، وقد كان يكفيه أن يذكر في التعريف بعض هذا ، وهذا التطويل إذا لم يفد كان ضربا من العيّ . ثم إنّ قوله : « لم يعف رسمها » ذكر الأصمعي من محاسنه أنه باق فنحن نحزن على مشاهدته ، فلو عفا لاسترحنا .

--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " الإشعار " . الإسعاد : المعونة . وأسعده : أعانه .