البغدادي

327

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

قوله تعالى « 1 » : « أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ » دليل له ، لصحة حمله على وجهين جيّدين : أحدهما : أن يكون ورسوله عطفا على أنّ وما بعدها ، لأنها اسم مفرد ، فالتقدير : براءة اللّه من المشركين ورسوله ، أي : وبراءة رسوله . وهذا وجه جيّد ، كما تقول : أعجبني أنك منطلق وإسراعك . والثاني : أن يكون ورسوله معطوفا على الضمير في بريء ، وحسن للفصل . وإذا كان كذلك لم يكن في الآية دليل على ما قالوه . فالاستشهاد بها وهم جرى على سيبويه والنحويين . وقد ردّ عليه ابن جني في « إعراب الحماسة » وأثبت ما ذهب إليه سيبويه سماعا وقياسا . وهذه عبارته : وفي قوله : * ولا أنا ممّن يزدهيه وعيدكم * شاهد لجواز استدلال سيبويه بقول اللّه سبحانه : « أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ » بالرفع على معنى الابتداء ، وردّ وردع لإنكار من أنكر ذلك عليه من بعض المتأخرين . وقوله : إنّ هذا إنما يسوغ بعد إنّ المكسورة لأنها على شرط الابتداء ، وليس في الآية إنّ مكسورة ، وإنما فيها أنّ مفتوحة ، والمفتوحة لا تصرف الكلام إلى معنى الابتداء ، وإنما تجعل الكلام شأنا وحديثا ، ومواضعها تختصّ بالمفرد لا بالجملة . هذا معنى ما أورده هذا المنكر على صاحب الكتاب في هذا الموضع . والقول فيما بعد مع صاحب الكتاب لا عليه سماعا وقياسا . أما السماع فما جاء في هذا البيت ، وهو قوله : * فلا تحسبوا أنّي تخشّعت بعدكم *

--> ( 1 ) سورة التوبة : 9 / 3 .