البغدادي

188

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

* كأنّك من جمال بني أقيش * وأرادوا : جمل من جمال بني أقيش ، فهلا أجزت حذف الفاعل ، وإقامة الصفة مقامه في قول الأعشى ؟ فالجواب : أن بينهما فرقا من وجهين : أحدهما : أنّ خبر كأنّ وإن شبّه بالفاعل في ارتفاعه ، فليس في الحقيقة فاعلا ، وجعلهم خبرها فعلا ، يدلّ على أنه لا يبلغ قوّة الفاعل . والآخر : أنّ قوله : * كأنّك من جمال بني أقيش * اضطررنا فيه إلى إقامة الصفة مقام الموصوف ، وبيت الأعشى لم نضطرّ فيه إلى ذلك « 1 » لأنه قد قامت الدلالة البيّنة عندنا على استعمالهم الكاف اسما في نحو قوله : « وبعلها على كالنقا » . فهذا ونحوه يشهد بكون الكاف اسما ، وبيت الأعشى أيضا يشهد بما قلنا . ولسنا نخالف الشائع المطّرد إلى ضرورة واستقباح « 2 » إلّا بأمر يدعو إلى ذلك ، ولا ضرورة هنا . فنحن على ما يجب من لزوم الظاهر ، ومخالفنا معتقد لما لا قياس يعضده . فقد صحّ بما قدّمنا ، أنّ كاف الجر تكون مرة اسما ، ومرّة حرفا . فإذا رأيتها في موضع تصلح فيه أن تكون اسما ، وأن تكون حرفا ، فجوّز فيها الأمرين ، وذلك كقولك : زيد كعمرو ، فقد تصلح أن تكون الكاف هنا اسما كقولك : زيد مثل عمرو ، ويجوز أن تكون حرفا كقولك : زيد من الكرام . فكما أنّ « من » حرف جرّ وقع خبرا عن المبتدأ ، كذلك الكاف تصلح أن تكون حرف جر . فإذا قلت : أنت كزيد ، وجعلت الكاف اسما ، فلا ضمير فيها ، كما أنك إذا

--> ( 1 ) في النسخة الشنقيطية : " لم يضطر فيه إلى ذلك " . ( 2 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " ضرورة استقباح " . بالإضافة . ولقد أثبتنا رواية سر الصناعة .