البغدادي

138

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

على أنّ « تبدي » ضمّن معنى « تكشف » ، في تعديته إلى المفعول الثاني ب « عن » ، وأما المفعول الأول ، فهو محذوف ، كما أشار إليه الشارح المحقق . وإنما احتاج إلى التضمين ، لأنّ « تبدي » فعل متعدّ بنفسه إلى مفعول واحد ، تقول : أبداه إبداء ، أي : أظهره إظهارا . فلولا التضمين لكانت « عن » إما زائدة بالنسبة إلى « تبدي » ، وإما بمعنى الباء بالنسبة إلى « تصدّ » ، فإنه يقال : صدّ عنه بكذا ، وكلاهما خلاف الأصل . وتكشف أيضا متعدّ بنفسه إلى مفعول واحد ، تقول : كشفته ، أي : أظهرته وأوضحته . وحقيقة الكشف رفع السّاتر والحجاب . ويتعدّى إلى المفعول الثاني ب « عن » . وهذا البيت من باب التنازع . وأعمل ابن قتيبة الأوّل على مذهبه فعلّق عن أسيل بتصدّ ، وجعل عن نائبة عن الباء ، لأنّ صدّ ، إنما يتعدّى بالباء ، تقول : صدّ بوجهه عنّي . ويرد عليه أنه يلزمه أن يقال : تصدّ وتبدي عنه عن أسيل ، لأنه إذا أعمل الأول في المفعول أضمر للثاني ، على المختار باتفاق من البصريين والكوفيين . فحذف معمول الثاني خلاف المختار . فعلى قوله فيه إنابة حرف مكان حرف وحذف على غير المختار . والشارح المحقق لما رأى ورود هذين الأمرين عدل إلى إعمال الثاني على مذهب البصريّين بتضمينه معنى ما ذكر ، ففيه مخالفة للأصل من وجه واحد ، وهو أسهل من مخالفته من وجهين . والجيّد أن يكون أبدى هنا لازما يتعدّى بعن ، كما قال ابن السيد في شرح « أبيات أدب الكاتب » إن أبدى يعدى بعن ، قال : لأنك تقول : أبديت عن الشيء ، كما قال سحيم يصف ثورا يحفر في أصل شجرة كناسا له « 1 » : ( الطويل ) يثير ويبدي عن عروق كأنّها * أعنّة خرّاز جديدا وباليا

--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " حديدا وباليا " . وهو تصحيف صوابه من ديوان سحيم والنسخة الشنقيطية . والبيت لسحيم عبد بني الحسحاس ص 29 . وفي شرح ديوانه ص 29 : " يصف الثور أنه يحفر ليكتنّ من البرد والمطر ، فهو يحفر عن عروق الشجرة منها الطري الرطب ومنها اليابس " .