البغدادي

263

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

ثياب كريم ما يصون حسانها * إذا نشرت كان الهبات صوانها فذمّه ، وهو يرى أنّه مدحه . ألا ترى أنّه أثبت الصّون ، ونفى الهبات ، كأنه قال : الذي يقوم لها مقام الهبات أن تصان . وقد أجيب عن المتنبي . فإذا لم يكن في شيء من أطرافه تجوّز ، ولم يقصد التشبيه ، فهو حقيقة ، بجعل بدل الشيء القائم مقامه فردا منه ادّعاء . فالتصرّف في النسبة . ألا ترى لو قلت إن كان الضرب تحيّة ، فهو تحيّتهم ، كان حقيقة قطعا . فجعل الغرض المقدّر كالظاهر ، وهو نوع على حدة ، من خلاف مقتضى الظاهر . وأمّا وجه بلاغته وعلى ما ذا يدلّ ، فقد حقّقه صاحب « الكشّاف » في مواضع : منها أنّه قال في تفسير قوله تعالى « 1 » : « يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ » الآية : هو من باب : * تحيّة بينهم ضرب وجيع * وما ثوابه إلّا السيف . وبيانه أن يقال : هل لزيد مال وبنون ، فتقول : ماله وبنوه سلامة قلبه . تريد نفي المال والبنين عنه ، وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك . وقال في موضع آخر : إنّه يدلّ على إثبات النفي « 2 » ؛ فمعنى : « ليس بها أنيس إلّا اليعافير » ، أي : إنّه لا أنيس بها قطعا . لأنّه جعل أنيسها اليعافير دون غيرها . وهي ليست بأنيس قطعا . فدلّ على أنّه لا أنيس بها . وهو قريب مما لو قلت : إن كانت اليعافير أنيسا فإنّها أنيس . ووجه دلالته على إثبات النفي « 3 » أنّه استعملته العرب مرادا به الحصر ، فإنّ الكلام قد يدلّ عليه ، نحو : الجواد زيد ، والكرم في العرب ، وشرّ أهرّ ذا ناب . ولذا ذكره النّحاة في باب الاستثناء . والحصر الملاحظ فيه جار على نهج الاستثناء المنقطع ، لأنه من التنويع عند

--> - يهبها ، ويجوز أن يريد بقوله " كان الهبات صوانها " أن ما يصونها من لفاف ومنديل كان هبة أيضا " . ( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 88 . ( 2 ) في طبعة بولاق : " ثبات النفي " . ( 3 ) في طبعة بولاق : " ثبات النفي " .