البغدادي

264

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

الخليل . فعلى هذا وضح إفادته ثبات النفي وظهر عدم التجوّز في مفرداته ، وأنه لا يتصوّر فيه التشبيه . وأمّا قوله في المائدة في تفسير « 1 » : « بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً » فإن قلت : المثوبة مختصّة بالإحسان ، فكيف جاءت في الإساءة ، قلت : وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله : * تحيّة بينهم ضرب وجيع * ومنه « 2 » : « فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » . انتهى . فمراده أنّ الآية من باب الإيجاز ، وأنّ في الكلام تنويعا مقدّرا . وهذا تفريع مبنيّ عليه . والتقدير : إن نقمتم منهم ، وادّعيتم لهم العقوبة ، فعقوبتهم المثوبة . وقد صرّح في سورة مريم ، وهذا دأبه ، يجمل في محلّ ، ويفصّل في آخر . وقال في تفسير قوله تعالى « 3 » : « وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً » ، فإن قلت « 4 » : كيف قيل خير ثوابا ، كأنّ لمفاخراتهم ثوابا حتّى يجعل ثواب الصالحات خيرا منه ؟ قلت : كأنّه قيل : ثوابهم النار ، على طريقة قوله : * فأعتبوا بالصّيلم * وقوله : * تحيّة بينهم ضرب وجيع * ثم بني عليه خير ثوابا . وفيه ضرب من التهكّم الذي هو أغيظ للمتهدّد من أن يقال له : عقابك النار . انتهى .

--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 60 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 21 ؛ وسورة التوبة : 9 / 24 ؛ وسورة الانشقاق : 84 / 24 . ( 3 ) سورة الكهف : 18 / 46 ؛ وسورة مريم : 19 / 76 . ( 4 ) قوله : " كيف قيل خير . . . . . خيرا منه قلت " . ساقط من النسخة الشنقيطية .