البغدادي

38

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

بليت قبلك بقوم لدّ ، تألّبوا عليّ وتعاونوا ، فلم أجزع لما منيت بهم جزعا فاحشا ، ولا استنصرت عليهم غيري . فإن قيل : كيف قال هلعت ، وقد قال : كدت أبكي من الظّلم إلخ ، وهل الهلع إلّا البكاء والجزع ؟ قلت : إنّ الهلع هو الجزع الفاحش الذي يظهر فيه الخضوع والانقياد ، فهذا هو الذي زعم أنّه لا يظهر عليه « 1 » . والبكاء الذي ذكر أنّه شارفه إنّما كان على طريق الاستنكاف ، وإذا كان كذلك فإنه لم يكن عن تخشّع وتذلّل ولا انقياد ولا استسلام . وسلم الكلام من التناقض . وقال ابن هشام في « شرح الشواهد » : وهذا ليس تناقضا لأنه على اختلاف وقتين ؛ أي : إنّه ذلّ جانبه بعد أن كان عزيزا . وهذا كلام الخطيب التبريزيّ . ونظيره أبيات فاطمة بنت الأجحم « 2 » حين ضعف جانبها ، لموت من كان ينصرها ، وهي أبيات حسنة تمثّلت بها سيّدتنا فاطمة رضي اللّه عنها ، حين قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي « 3 » : ( الكامل ) قد كنت لي جبلا ألوذ بظلّه * فتركتني أمشي بأجرد ضاحي « 4 » قد كنت ذات حميّة ما عشت لي * أمشي البراز وكنت أنت جناحي « 5 » فاليوم أخضع للذّليل وأتّقي * منه وأدفع ظالمي بالرّاح « 6 »

--> ( 1 ) في شرح الحماسة للتبريزي : " فهذا هو الذي اتضح منه . . " . وفي شرح الحماسة للمرزوقي : " فهذا هو الذي انتضح منه " . ( 2 ) هو الأجحم بن دندنة الخزاعي ، زوج خالدة بنت هاشم بن عبد المطلب ، وكان أجحم هذا أحد سادات العرب . انظر في ذلك أمالي القالي 2 / 2 ؛ وشرح الحماسة للتبريزي 2 / 189 . ( 3 ) الأبيات في أمالي القالي 2 / 2 ؛ والحماسة برواية الجواليقي ص 257 ؛ وشرح الحماسة للأعلم 1 / 477 ؛ وشرح الحماسة للتبريزي 2 / 189 ؛ وشرح الحماسة للمرزوقي ص 910 . ( 4 ) الأجرد : المكان المنكشف . والضاحي : البارز الظاهر . ومعنى أضحى أبرز للشمس ، أي : قد كنت ستري فانكشفت بعدك . ( 5 ) الحمية : الأنفة والعزة . والبراز : المنكشف من الأرض . البارز للعين . وأرادت بالجناح امتناعها به ونهوضها بمكانه ، لأن نهوض الطائر بجناحيه . ( 6 ) أي كنت بك معتزة على العزيز ، فاليوم أخضع بفقدك للذليل . ومعنى أدفع ظالمي بالراح ، أضعف عن مدافعته ، لأن من دفع بيده دون السلاح لم يقو في مدافعته .