البغدادي
221
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
و « ما » مصدرية ، وهي مع صلتها في محلّ رفع على الابتداء والخبر من « بله » ، والضمير من عليه عائد على الذخر ، أي : كيف ومن أين اطّلاعكم على الذخر الذي أعددته ، فإنه أمر قلما تتّسع العقول لإدراكه والإحاطة به . انتهى . ومثله لابن حجر قال : ووقع في المغني لابن هشام أنّ « بله » استعملت معربة مجرورة ب « من » ، وأنها بمعنى غير ، ولم يذكر سواه . وفيه نظر لأن ابن التّين حكى رواية من « بله » بفتح الهاء مع وجود « من » ، فعلى هذا فهي مبنيّة ، و « ما » مصدرية ، وهي وصلتها في موضع رفع على الابتداء ، والخبر هو الجار والمجرور المتقدم ، ويكون المراد ب « بله » كيف التي يقصد بها الاستبعاد . والمعنى : من أين اطّلاعكم على هذا القدر الذي تقصر عقول البشر عن الإحاطة به . ودخول « من » على « بله » إذا كانت بهذا المعنى جائز ، كما أشار إليه الشريف في « شرح الحاجبية » . وأوضح التوجيهات لخصوص سياق حديث الباب أنّها بمعنى غير . وذلك بيّن لمن تأمّله . انتهى . وهذا الاتفاق من الدمامينيّ وابن حجر غريب ، يقلّ وقوع مثله ، فإنّهما وإن كانا متصاحبين لم ير كلّ منهما شرح الآخر على البخاريّ . أقول : كسرة « بله » يحتمل أن تكون كسرة بناء . ويؤيده ما قاله أبو حيان في « الارتشاف » بأنه سمع في « بله » فتح الهاء وكسرها . والبيت الشاهد من قصيدة لأبي زبيد الطائي النصراني . وقبله ، وهو مطلع القصيدة « 1 » : ( البسيط ) من مبلغ قومنا النّائين إذ شحطوا * أنّ الفؤاد إليهم شيّق ولع حمّال أثقال أهل الودّ آونة * أعطيهم الجهد منّي بله ما أسع « من » استفهامية ، و « مبلغ » متعدّ إلى مفعولين ، يقال : أبلغته السلام ، فقومنا مفعوله الأوّل ، و « النائين » : وصفه ، وأنّ الفؤاد إلخ ، بفتح أنّ في تأويل مصدر منصوب هو المفعول الثاني . و « النائين » : جمع ناء اسم فاعل من النأي ، وهو البعد . و « إذ » ظرف معناه التعليل متعلّق بمبلغ .
--> ( 1 ) مطلع قصيدة لأبي زبيد الطائي في ديوانه ص 641 ؛ أنشدها في مجلس الخليفة عثمان بن عفان .