البغدادي

276

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

قال الأعلم : الشاهد في وضع إيّانا موضع الضمير المتصل في نقتلنا ، وفي وضع إيّاك موضع الكاف ضرورة . وقال الزجّاج : أراد بلغتك إيّاك ، فحذف الكاف ضرورة . وهذا التقدير ليس بشيء ، لأنّه حذف المؤكد وترك التوكيد مؤكّدا لغير موجود ، فلم يخرج من الضّرورة إلّا إلى أقبح منها . والمعنى : سارت هذه الناقة إليك حتّى بلغتك . انتهى . وقبله : * أتتك عنس تقطع الأراكا * و « العنس » ، بسكون النون : الناقة الشديدة ، أي : تقطع الأراضي التي هي منابت للأراك . وكان حقّ الكلام في البيت الشاهد أن يقول نقتل أنفسنا ، لأنّ الفعل لا يتعدّى فاعله إلى ضميره ، إلّا أن يكون من أفعال القلوب ، لا تقول : ضربتني ، ولا أضربني ، ولا ضربتك بفتح التاء ، ولا زيد ضربه على إعادة الضمير إلى زيد ، ولكن تقول : ضربت نفسي ، وضربت نفسك ، وزيد ضرب نفسه . وإنّما تجنّبوا تعدّي الفعل إلى ضمير فاعله كراهة أن يكون الفاعل مفعولا في اللفظ ، فاستعملوا في موضع الضمير النفس ، نزّلوها منزلة الأجنبيّ ، واستجازوا ذلك في أفعال العلم والظنّ الداخلة على جملة الابتداء فقالوا : حسبتني في الدار ، ولم يأت هذا في غير هذا الباب إلّا في فعلين قالوا : عدمتني وفقدتني . ولمّا لم يمكن هذا الشاعر أن يقول : نقتل أنفسنا ولا نقتلنا ، وضع إيّانا موضع « نا » ، وحسّن ذلك قليلا أنّ استعمال المتّصل هاهنا قبيح أيضا ، وأنّ الضمير المنفصل أشبه بالظاهر من المتّصل ، ف « إيّانا » أشبه بأنفسنا من « نا » . ولكن أقبح منه قول حميد : * إليك حتّى بلغت إيّاكا * لأنّ اتصال الكاف ببلغت حسن . والبيت من أبيات لذي الإصبع العدوانيّ ، وهي :