البغدادي

79

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

من حبّ شميلة ودنف ، حتّى صار رحمة « 1 » ، وانتشر خبره فضرب نساء البصرة به المثل فقلن : « أدنف من المتمنّى » . ثم إنّ مجاشعا وقف على خبر علّة نصر فدخل عليه عائدا ، فلحقته رقّة لما رأى به من الدّنف فرجع إلى بيته وقال لشميلة : عزمت عليك لمّا أخذت خبزا فلبكته بسمن ثمّ بادرت به إلى نصر . فبادرت به إليه فلم يكن به نهوض ، فضمّته إلى صدرها وجعلت تلقمه بيدها فعادت قواه وبرأ كأن لم تكن به قلبة « 2 » ، فقال بعض عوّاده : قاتل اللّه الأعشى « 3 » حيث قال : ( السريع ) لو أسندت ميتا إلى نحرها * عاش ولم ينقل إلى قابر ! فلمّا فارقته عاوده النّكس ، ولم يزل يتردّد في علّته حتّى مات منها . كذا قال حمزة وصاحب الأوائل . وقال المدائنيّ : إن عمر لما أخرج نصرا من المدينة إلى البصرة قال نصر : يا أمير المؤمنين أعلمهم أنّك إنّما أخرجتني لهذا الشّعر لا لغيره . وروي عن قتادة أن نصرا لما أتى البصرة دخل مجاشع بن مسعود عائدا له ، وعنده شميلة بنت جنادة بن أبي أزيهر « 4 » فجرى بينهما كلام ولم يفهم منه مجاشع إلّا كلمة واحدة من نصر : قال : وأنا . فلما خرج نصر قال لها : ما قال لك ؟ قالت : قال لي : كم لبن ناقتكم هذه فأخبرته ؛ قال : ما هذا جواب كلامه وأرسل إلى نصر فسأله وأعظم عليه ، فقال : قالت لي إنّي أحبّك حبّا شديدا لو كان فوقك لأظلّك ، ولو كان تحتك لأقلّك ، فقلت : وأنا . قال : فأنزل لك عنها ؟ قال : أذكّرك اللّه أن يبلغ هذا عمر مع ما فعل

--> ( 1 ) في أمثال الميداني : " حممة " . والحممة : واحدة الحمم ، وهو بمعنى الجمر . ( 2 ) في لسان العرب : " ما بالعليل قلبة ، أي ما به شيء ، لا يستعمل إلا في النفي " . " وما به قلبة " . مثل مشهور ، أي ما به دار . والمثل في جمهرة الأمثال 1 / 214 ، 2 / 257 ؛ ولسان العرب ( قلب ) ؛ والمستقصى 2 / 318 ؛ ومجمع الأمثال للميداني 2 / 271 . ( 3 ) البيت من مطولة للأعشى ميمون يهجو فيها علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل في المنافرة التي جرت بينهما ، وهو في ديوانه ص 189 ؛ ومجمع الأمثال للميداني 1 / 575 . وبعده في مجمع الأمثال : فكأنه شهد منهما النجوى * . . . ( 4 ) في طبعة بولاق : " بن أبي أزهر " .