البغدادي
364
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
قال عمر : دع عنك هذا ، فإنّك إن لم ترض الرجل أقدته منك ! قال : إذن أتنصّر ! قال : إن تنصّرت ضربت عنقك ، فلما رأى جبلة الجدّ من عمر قال : أنا ناظر في [ هذا ] ليلتي هذه . وقد اجتمع بباب عمر من حيّ هذا و [ حيّ ] هذا خلق [ كثير ] حتّى كادت أن تكون فتنة ، فلما أمسوا أذن له عمر بالانصراف ، حتّى إذا نام الناس تحمّل جبلة مع جماعته إلى الشام ، فأصبحت مكة منهم بلاقع . فلما انتهى إلى الشام تحمّل في خمسمائة من قومه حتّى أتى القسطنطينيّة فدخل إلى هرقل ، فتنصّر هو وقومه ، فسرّ هرقل بذلك جدّا ، وظنّ أنّه فتح من الفتوح ، وأقعده حيث شاء « 1 » ، وجعله من محدّثية وسمّاره . ثم إنّ عمر بدا له أن يكتب إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام ، ووجّه إليه رسولا [ وهو جثّامة بن مساحق الكنانيّ ] ، فلما انتهى إليه أجاب إلى كل شيء سوى الإسلام ، فلما أراد الرسول الانصراف قال له هرقل : هل رأيت ابن عمّك هذا الذي جاءنا راغبا في ديننا ؟ قلت : لا . قال : فالقه . قال : فتوجّهت إليه ، فلما انتهيت إلى بابه رأيت من البهجة « 2 » والحسن والستور « 3 » ما لم أر مثله بباب هرقل ، فلما أدخلت عليه إذا هو في بهو عظيم ، وفيه من التصاوير ما لا أحسن وصفه ، وإذا هو جالس على سرير من قوارير قوائمه أربعة أسد من ذهب ، وقد أمر بمجلسه فاستقبل به وجه الشمس ، فما بين يديه من آنية الذهب والفضة تلوح ، فما رأيت أحسن منه ، فلمّا سلّمت عليه ردّ السلام ورحّب بي وألطفني ، ولا مني على تركي النزول عنده ، ثم أقعدني على سرير لم أدر ما هو ، فتبيّنته فإذا هو كرسيّ من ذهب ، فانحدرت عنه فقال : مالك ؟ فقلت : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عن هذا . فقال جبلة أيضا مثل قولي في النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين ذكرته ، وصلّى عليه ، ثم قال : يا هذا ، إنّك إذا طهّرت قلبك لم يضرّك ما لبسته ولا ما جلست عليه . ثم سألني عن الناس ، وألحف في السؤال عن عمر ، ثم جعل يفكّر حتّى عرفت الحزن في وجهه ، فقلت له : ما يمنعك من الرجوع إلى قومك والإسلام ؟ . فقال : أبعد الذي قد كان ؟ قلت : قد ارتدّ الأشعث بن قيس عن الإسلام [ ومنعهم الزّكاة ]
--> ( 1 ) في الأغاني 15 / 163 : " وأقطعه حيث شاء " . ( 2 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " البهو " . وهو تصحيف صوابه من الأغاني 15 / 164 . ( 3 ) في النسخة الشنقيطية : " والجيش " . وفي الأغاني : " والحسن والسرور " .