البغدادي
216
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
ذلك عليه وعرفته فقالت « 1 » : ( الوافر ) كلانا مظهر للنّاس بغضا * وكلّ عند صاحبه مكين تبلّغنا العيون بما رأينا * وفي القلبين ثمّ هوى دفين ثم تمادى به الأمر ، حتّى ذهب عقله ، وهام مع الوحش ، وصار لا يلبس ثوبا إلّا خرّقه « 2 » ، ولا يعقل إلّا أن تذكر له ليلى ، فإذا ذكرت عقل وأجاب عن كلّ ما يسأل عنه . ثم إنّ قوم ليلى شكوا منه للسلطان ، فأهدر دمه ، وترحّل قومها من تلك الناحية ، فأشرف فرأى ديارهم بلاقع ، فقصد منزلها ، وألصق صدره به ، وجعل يمرّغ خدّيه على التراب ويقول الأشعار . ثم إنّ أباه قيّده ؛ فجعل يأكل لحم ذراعيه ، ويضرب نفسه ، ويعضّ لسانه وشفتيه ، فأطلقه . وروي أنّ نوفل بن مساحق « 3 » لمّا جاء ساعيا على صدقات بني عامر ، رأى المجنون يلعب بالتّراب وهو عريان ، فقال لغلام له : خذ ثوبا وألقه عليه . فقالوا له : ألا تعرفه ؟ قال : لا . قالوا : هذا المجنون قيس بن الملوّح ؛ فكلّمه فجعل يجيبه بغير ما يسأله عنه ؛ فقالوا له : إن أردت أن يكلّمك كلاما صحيحا فاذكر له ليلى . فقال : أتحبّ ليلى ؟ فأقبل عليه يحدّثه عنها وينشده شعره فيها ، فقال له : أتحبّ أن أزوّجكها ؟ قال : وتفعل ذاك « 4 » ؟ قال : نعم ، اخرج معي حتّى أقدم بك على قومها فأخطبها لك . فارتحل معه « 5 » ودعا له بكسوة ، فلبسها وراح معه كأصحّ أصحابه ، فلمّا قرب من قومها تلقّوه بالسّلاح ، وقالوا : واللّه [ يا ابن مساحق ] « 6 » لا يدخل المجنون لنا بيتا أو نقتل عن آخرنا ، وقد أهدر لنا السّلطان دمه ! فأقبل بهم وأدبر ، فأبوا عليه ، فقال
--> ( 1 ) البيت الأول في الشعر والشعراء ص 469 ؛ والبيت الثاني ساقط فيما يبدو من نسخة الشعراء . ( 2 ) في طبعة بولاق : " ولا خرقة " . وهو تصحيف صوابه من الشعر والشعراء والنسخة الشنقيطية . ( 3 ) نوفل بن مساحق ، تابعي ، كان قاضيا على المدينة المنورة ، توفي في أيام عبد الملك بن مروان سنة 74 ه ، وكان من اشراف قريش . ( نسب قريش ص 427 ؛ وطبقات ابن سعد 5 / 242 ) . ( 4 ) في الشعر والشعراء ص 469 : " قال : نعم ، وهل إلى ذلك من سبيل ! " . ( 5 ) في طبعة بولاق : " ارتحل له " . وهو تصحيف صوابه من الشعراء والنسخة الشنقيطية . ( 6 ) زيادة يقتضيها السياق من الشعر والشعراء .