البغدادي

217

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

له : انصرف . فقال : أين ما وعدت ؟ قال : رجوعك بالخيبة أهون عليّ من سفك الدّماء . ثمّ هام على وجهه في الفلوات ، وأنس بالوحوش فكان لا يأكل إلّا ما تنبت الأرض من البقول ، ولا يشرب إلّا مع الظّباء ، وطال شعر جسده ورأسه ، وألفته الوحوش ، وكان يهيم حتّى يبلغ حدود الشام ، فإذا ثاب عقله سأل عن نجد فيقال : وأنّى نجد ! فيدلّونه على طريق نجد فيتوجّه نحوه . وكان أهله يأتونه بالطّعام والشراب ، فربّما أكل منه . وفي بعض الأيّام أتوه بالطّعام فلم يروه ، فانطلقوا يفتّشونه فرأوه ملقى بين الأحجار ميتا ، فاحتملوه إلى الحيّ فغسّلوه ودفنوه ، وكثر بكاء النساء عليه . وكان في مدّة ابن الزّبير . وقد أطال ترجمته جدا أبو الفرج الأصبهانيّ في « الأغاني » . وكانت ليلى تحبّه أيضا محبّة شديدة . حكى ابن قتيبة قال « 1 » : خرج رجل من بني مرّة إلى ناحية الشام والحجاز ، مما يلي تيماء [ والسراة بأرض نجد ] ، في بغية له ، فإذا هو بخيمة قد رفعت له عظيمة [ وقد أصابه المطر ] فعدل إليها ، فتنحنح فإذا امرأة قد كلّمته فقالت : انزل . فنزل ، وراحت إبلهم وغنمهم فإذا أمر كثير عظيم ؛ فقالت : سلوا هذا الرّاكب من أين أقبل ؟ فقال : من ناحية نجد . فقالت : يا عبد اللّه ، وأيّ بلاد نجد وطئت ؟ قال : كلّها . قالت : فيمن نزلت منهم ؟ قال : بني عامر . فتنفّست الصّعداء ثم قالت : بأيّ بني عامر ؟ قال : ببني الحريش . قالت : فهل سمعت بذكر فتى منهم يقال له قيس ويلقّب بالمجنون ؟ قال : إي واللّه ، قد أتيته ، فرأيته يهيم مع الوحش ، ولا يعقل شيئا حتّى تذكر له ليلى ، فيبكي وينشد أشعارا يقولها فيها . فرفعت السّتر بيني وبينها ، فإذا شقّة قمر لم تر عيني مثلها [ قط ] ، فلم تزل تبكي وتنتحب حتّى ظننت أنّ قلبها قد تصدّع ، فقلت : يا أمة اللّه اتّقي اللّه ، فو اللّه ما قلت بأسا ! فمكثت [ طويلا ] على تلك الحال من البكاء والنّحيب ، ثم قالت « 2 » : ( الطويل ) ألا ليت شعري والخطوب كثيرة * متى رحل قيس مستقلّ فراجع

--> ( 1 ) الشعر والشعراء ص 470 . والزيادات منه . ( 2 ) البيتان والقصة في الشعر والشعراء ص 470 - 471 ؛ ومصارع العشاق 1 / 33 .