البغدادي

368

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

قال بعضهم : يستلزم التنزيه التعجّب من بعد ما نزّه عنه من المنزّه فكأنّه قيل ما أبعده منه ، فقد يقصد به التنزيه أصلا والتعجّب تبعا ، كما في « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ « 1 » » وقد يقصد به التعجّب ويجعل تنزيهه تعالى ذريعة له ، فيسبّح اللّه عند رؤية العجيب من صنائعه . ثم كثر حتّى استعمل عند كلّ تعجب من شيء « 2 » كما في « 3 » : « سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ » ا ه . والمعنى أعجب من علقمة إذ فاخر عامر ابن الطّفيل . وهذا البيت من قصيدة لأعشى ميمون ، قبحه الله تعالى ! هجا بها علقمة بن علاثة الصّحابيّ رضي الله عنه ، ومدح ابن عمّه عامرا المذكور ، لعنه الله تعالى ! وغلّبه عليه في الفخر . وسبب هذه القصيدة أنّ علقمة بن علاثة الصّحابيّ نافر ابن عمّه عامر بن الطّفيل عدوّ اللّه - والمنافرة : المحاكمة في الحسب والشرف - فهاب حكّام العرب أن يحكموا بينهما بشيء - كما تقدّم في الشاهد السادس والعشرين « 4 » ، ثم أنّ الأعشى مدح الأسود العنسيّ فأعطاه خمسمائة مثقال ذهبا « 5 » ، وخمسمائة حللا وعنبرا ، فخرج فلمّا مرّ ببلاد بني عامر - وهم قوم علقمة وعامر - خافهم على ما معه ، فأتى علقمة بن علاثة فقال له : أجرني ! قال : قد أجرتك من الجنّ والإنس ، قال الأعشى : ومن الموت ، قال : لا . فأتى عامر بن الطّفيل فقال له : أجرني ! قال : قد أجرتك من الجنّ والإنس ؛ قال الأعشى : ومن الموت ؟ قال عامر : ومن الموت أيضا ! قال : وكيف تجيرني من الموت ؟ قال : إن متّ في جواري بعثت إلى أهلك الدية ! قال : الآن علمت أنّك قد أجرتني ! فحرّضه عامر على تنفيره على علقمة ، فغلّبه عليه بقصائد ، فلمّا سمع نذر ليقتلنّه إن ظفر به ، فقال الأعشى هذه القصيدة . ومطلعها « 6 » : ( السريع )

--> ( 1 ) سورة الإسراء : 17 / 1 . ( 2 ) في طبعة بولاق : " عند كل من يعجب من شيء " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية . ( 3 ) سورة النور : 24 / 16 . ( 4 ) انظر الخزانة الجزء الأول ص 181 وما بعدها . ( 5 ) في الأغاني 9 / 120 : " فقال الأسود : ليس عندنا عين ولكن نعطيك عرضا . فأعطاه خمسمائة مثقال دهنا " . وهو الصواب . ( 6 ) الأبيات في ديوان الأعشى ص 189 - 197 ؛ وشرح أبيات المغني 7 / 200 - 201 ؛ وصبح الأعشى 1 / 388 .