البغدادي

173

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

الناس . ويقال : جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم ، فطردتهم بكر ، للحقد الذي كان بينهم ، فرجعوا ، فمات منهم سبعون رجلا عطشا . ثم إنّ بني تغلب اجتمعوا لحرب بكر بن وائل ، واستعدّت لهم بكر ، حتّى إذا التقوا كرهوا الحرب ، وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت ؛ فدعا بعضهم بعضا إلى الصلح ، فتحاكموا إلى الملك عمرو بن هند ، فقال عمرو : ما كنت لأحكم بينكما حتّى تأتوني بسبعين رجلا من أشراف بكر بن وائل . فأجعلهم في وثاق عندي ، فإن كان الحق لبني تغلب دفعتهم إليهم ، وإن لم يكن لهم حقّ خلّيت سبيلهم . ففعلوا ، وتواعدوا ليوم بعينه يجتمعون فيه . فجاءت تغلب في ذلك اليوم يقودها عمرو بن كلثوم ، حتى جلس إلى الملك . وقال الحارث بن حلّزة لقومه ، وهو رئيس بكر بن وائل : إنّي قد قلت قصيدة فمن قام بها ظفر بحجّته وفلج على خصمه ! فروّاها ناسا منهم ، فلمّا قاموا بين يديه لم يرضهم ، فحين علم أنّه لا يقوم بها أحد مقامه قال لهم : والله إنّي لأكره أن آتي الملك فيكلّمني من وراء سبعة ستور ، وينضح أثري بالماء إذا انصرفت عنه - وذلك لبرص كان به - غير أنّي لا أرى أحدا يقوم بها مقامي ، وأنا محتمل ذلك لكم . فانطلق حتّى أتى الملك ؛ فلمّا نظر إليه عمرو بن كلثوم قال للملك : أهذا يناطقني وهو لا يطيق صدر راحلته ؟ ! فأجابه الملك حتّى أفحمه . وأنشد الحارث قصيدته « 1 » : * آذنتنا ببينها أسماء * وهو من وراء سبعة ستور - وهند تسمع - فلمّا سمعتها قالت : تالله ما رأيت كاليوم قطّ رجلا يقول مثل هذا القول يكلّم من وراء سبعة ستور ! فقال الملك : ارفعوا سترا ! ودنا . فما زالت تقول ويرفع ستر فستر ، حتّى صار مع الملك على مجلسه ، ثمّ أطعمه في جفنته ، وأمر أن لا ينضح أثره بالماء ، وجزّ نواصي السّبعين الذين كانوا في يديه من بكر ، ودفعها إلى الحارث ، وأمره أن لا ينشد قصيدته إلّا متوضّيا . فلم تزل تلك النّواصي في بني يشكر بعد الحارث وهو [ من « 2 » ] ثعلبة بن

--> ( 1 ) انظر رواية أخرى في شرح القصائد العشر ص 368 - 369 . ( 2 ) في طبعة بولاق : " وهو ثعلبة " . وزيادة يقتضيها السياق من النسخة الشنقيطية وشرح القصائد العشر للتبريزي ص 183 .