البغدادي
115
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
فكانت الكتب لا تكتب إلّا عن رأيه « 1 » ، ولا ينفذ أمر إلّا بعد توقيعه . وكان سخيّا [ متلافا « 2 » ] لا يمسك درهما . ومدحهما بهذه القصيدة المقصورة ، فوصلاه بعشرة آلاف درهم « 3 » . ثمّ انتقل من فارس إلى بغداد ، ودخلها سنة ثمان وثلاثمائة ، بعد عزل ابني ميكال وانتقالهما إلى خراسان . ولما دخل بغداد أنزله عليّ بن محمّد في جواره وأفضل عليه ، وعرّف الخليفة المقتدر العباسيّ مكانه من العلم ، فأجرى عليه في كل شهر خمسين دينارا ، ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته . وتوفّي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ببغداد . وكان مواظبا على شرب الخمر ، قال أبو منصور الأزهريّ : دخلت عليه فرأيته سكران فلم أعدل إليه « 4 » . وقال ابن شاهين : كنّا ندخل عليه فنستحي ممّا نرى عنده من العيدان والشّراب المصفّى . وعرض له في رأس التسعين من عمره فالج وسقي التّرياق فبرئ وصحّ ورجع إلى أفضل أحواله . ثم عاوده الفالج بعد عام ، لغذاء ضارّ تناوله ، فكان يحرّك يديه حركة ضعيفة ، وبطل من محزمه إلى قدميه ؛ فكان إذا دخل عليه داخل ضجّ وتألّم لدخوله . قال تلميذه أبو عليّ القاليّ : كنت أقول في نفسي : إن اللّه عزّ وجلّ عاقبه لقوله في هذه المقصورة ، يخاطب الدهر : ( الرجز ) مارست من لو هوت الأفلاك من * جوانب الجوّ عليه ما شكا وكان يصيح من الداخل عليه صياح من ينخس بالمسالّ - والداخل بعيد - وكان مع هذه الحال ثابت الذهن كامل العقل . وعاش مع الفالج عامين . وكنت أسأله عن أشياء في اللغة فيردّ بأسرع من النفس ، بالصواب . وقال لي مرّة - وقد سألته عن بيت - لئن طفئت شحمتا عينّي لم تجد من يشفيك من العلم . وكان ينشد كثيرا « 5 » : ( الطويل )
--> ( 1 ) كذا في طبعة بولاق ؛ وفي النسخة الشنقيطية : " وكانت لا تصدر كتب فارس إلا عن رأيه " . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق من الطبعة السلفية 3 / 106 نقلا عن النسخة الشنقيطية . ( 3 ) في الأصل : " فوصلاه عشرة آلاف " . وهو تصحيف صوبناه . ( 4 ) كذا في الأصل . وفي حاشية الطبعة السلفية 3 / 107 يقول الأستاذ الميمني : " كذا بالنسختين . . : الصواب ( فلم أعد إليه ) وهو في معجم الأدباء 6 : 486 ولعله نقل منه " . ( 5 ) البيت بلا نسبة في تاج العروس ( مهه ) ؛ ولسان العرب ( مهه ) .