البغدادي

226

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

الأوّل : أن لبيدا إنما قال ذلك قبل أن يسلم ، فيمكن أن يكون في اعتقاده في ذلك الوقت أنّ الجنّة لا وجود لها ، أو كان يعتقد وجودها ولكن لا يعتقد دوامها ، كما ذهبت إليه طائفة من أهل الأهواء والضلال . والثاني : أنه يمكن أن يكون أراد به ما سوى الجنّة من نعيم الدنيا لأنه كان في صدد ذم الدّنيا وبيان سرعة زوالها . وأمّا تكذيب عثمان إياه فلكونه حمل الكلام على العموم . انتهى « 1 » . وقال ابن حجر في « شرح البخاريّ » ، في باب الشعر : التعبير بوصف كل شيء بالبطلان تندرج فيه العبادات والطاعات ، وهي حقّ لا محالة ؛ وأجيب : بأن المراد ما عدا الله ، وما عدا صفاته الذاتيّة والفعليّة من رحمة وعذاب ؛ أو المراد بالبطلان الفناء لا الفساد ، وكلّ شيء سوى الله تعالى جائز عليه الفناء لذاته ، حتّى الجنة والنار ، وإنما يبقيان بإبقاء الله تعالى لهما ، وخلق الدوام لأهلهما . والحقّ على الحقيقة من لا يجوز عليه الزوال لذاته . انتهى « 2 » . ومثله للسّيوطيّ ، في « البدور السافرة » ، عند ذكر قوله تعالى « 3 » : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ » . أي : قابل للهلاك ؛ وكلّ محدث قابل لذلك وإن لم يهلك ، بخلاف القديم الأزليّ . ويؤيّد ذلك أنّ العرش لم يرد خبر أنه يهلك . فلتكن الجنّة مثله . وقال في موضع آخر من ذلك الكتاب : وفي بحر الكلام : قال أهل السنّة : سبعة لا تفنى : العرش والكرسيّ واللّوح والقلم والجنّة والنار بأهلهما والأرواح . وقال صاحب المفهم شرح مسلم « 4 » ، وكذا البيهقي وغيره من المحدّثين : إن هذه السبعة يقع لها هلاك نسبيّ ، وهو غشيان يمنع الإحساس ، وفناء ما من الأوقات . قلت : والظاهر وقوع ذلك ، على تقدير صحّته ، بين النفختين ، عند قوله عز وجل « 5 » : « لِمَنِ الْمُلْكُ

--> ( 1 ) شرح أبيات المغني للبغدادي 3 / 159 ؛ والعيني في شرح البخاري 8 / 4 . ( 2 ) شرح أبيات المغني للبغدادي 3 / 159 ؛ وفتح الباري 7 / 115 . ( 3 ) سورة القصص : 28 / 88 . ( 4 ) هو أحمد بن عمر بن إبراهيم ، أبو العباس الأنصاري القرطبي ( 578 - 656 ه ) : فقيه مالكي ، من رجال الحديث ، كان مدرسا بالإسكندرية وتوفي بها . ومولده بقرطبة . من كتبه : المفهم ، ومختصر الصحيحين ( الأعلام : 1 / 179 ) . ( 5 ) سورة غافر : 40 / 16 .