البغدادي
370
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
فلما كتب كسرى في طلب تلك الصفة قال له زيد بن عديّ : أنا عارف بآل المنذر وعند عبدك النعمان - بين بناته وأخواته وبنات عمّه - أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة ، فابعثني مع ثقة من رجالك يفهم العربية حتّى أبلغ ما تحبّه . فبعث معه رجلا فطنا وخرج به زيد ، فجعل يكرم الرجل ويلطفه حتى بلغ الحيرة ؛ فلما دخل على النعمان قال له : إنّ كسرى قد احتاج إلى نساء لنفسه ولولده ، وأراد كرامتك بصهره فبعث إليك . فقال النعمان لزيد - والرسول يسمع - : أما في مها السّواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته ؟ ! فقال الرسول لزيد ، بالفارسية : ما المها ؟ فقال له ، بالفارسية : كاوان ، أي البقر . فأمسك الرسول ، وقال زيد للنعمان : إنّما أراد الملك أن يكرمك ، ولو علم أنّ هذا يشقّ عليك لم يكتب إليك به . فأنزلهما عنده يومين ، ثم كتب إلى كسرى : إن الذي طلب الملك ليس عندي . وقال لزيد : اعذرني عنده . فلما رجع إلى كسرى قال زيد للرسول : أصدق الملك عمّا سمعت ، فإني سأحدثه بمثل حديثك ولا أخالفك فيه ! فلما دخلا على كسرى قال زيد : هذا كتابه . فقرأه عليه ، فقال له كسرى : وأين الذي كنت خبّرتني به ؟ قال : قد كنت خبّرتك ببخلهم بنسائهم على غيرهم ، وأنّ ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشّبع والرّياش ، وإيثارهم السّموم على طيب أرضك ، حتّى إنّهم ليسمّونها السّجن ، فسل هذا الرسول الذي كان معي عما قال ، فإني أكرم الملك عن مشافهته بما قال . فقال للرسول : وما قال النعمان ؟ فقال له الرسول : إنه قال : أما كان في بقر السواد وفارس ما يكفيه ، حتّى يطلب ما عندنا ؟ ! فعرف الغضب في وجهه ؟ وسكت كسرى أشهرا - وسمع النعمان غضبه - ثم كتب إليه كسرى : أن أقبل ، فإن لي حاجة بك . فخافه النعمان وحمل سلاحه وما قدر عليه ولجأ إلى قبائل العرب فلم يجره أحد ، وقالوا : لا طاقة لنا بكسرى . . حتى نزل بذي قار في بني شيبان سرّا ، فلقي هانىء بن قبيصة ، فأجاره وقال : لزمني ذمامك ، وإني مانعك مما أمنع منه نفسي وأهلي ، وإنّ ذلك مهلكي ومهلكك . وعندي رأي لست أشير به لأدفعك عما تريده من مجاورتي ؛ ولكنه الصواب . فقال : هاته ! قال : إنّ كلّ أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه ، إلا أن يكون بعد الملك سوقة ؛ والموت نازل بكلّ أحد ؛ ولأن تموت كريما خير من أن تتجرّع الذلّ أو تبقى سوقة بعد الملك . . امض إلى صاحبك واحمل إليه هدايا ومالا ، والق نفسك