البغدادي
369
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
ونكح زيد نعمة بنت ثعلبة العدويّة فولدت له « عديا » . وولد للمرزبان وسمّاه « شاهان مرد » . فلما أيفع عديّ أرسله المرزبان مع ابنه إلى كتاب الفارسيّة ، وتعلّم الكتابة والكلام بالفارسية ، حتى خرج من أفهم الناس [ بها ] وأفصحهم بالعربية ، وقال الشعر وتعلّم الرّمي بالنّشّاب [ فخرج من الأساورة الرّماة ] ، وتعلّم لعب العجم على الخيل بالصّوالجة وغيرها . ثم إنّ المرزبان لما اجتمع بكسرى قال له : إن عندي غلاما من العرب هو أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية ، والملك يحتاج إلى مثله . فأحضر المرزبان عديّ بن زيد ، وكان جميل الوجه فائق الحسن - وكانت الفرس تتبرّك بالجميل الوجه - فرغب فيه ؛ فكان عديّ أوّل من كتب بالعربية في ديوان كسرى . فرغب أهل الحيرة إلى عدي ورهبوه . ولم يزل بالمدائن في ديوان كسرى معظما . وأبوه زيد كان حيّا ، إلا أن صيته قد خمل بذكر ابنه عديّ . ثم لما هلك المنذر اجتهد عديّ عند كسرى حتى ملّك النعمان بن المنذر الحيرة . ثم بعد مدّة افتروا على عديّ وقالوا للنعمان : إن عديّا يزعم أنك عامله على الحيرة . فاغتاظ منه النعمان وأرسل إلى عديّ بأنه مشتاق إليه يستزيره « 1 » . فلما أتى إليه حبسه ، وبقي في الحبس إلى أن جاء رسول كسرى ليخرجه « 2 » ؛ فخاف النعمان من خلاصه فغمّه حتى مات ؛ وندم النعمان على قتله ، وعرف أنّه غلب على رأيه . ثم إنه خرج يوما إلى الصيد فلقي ابنا لعديّ يقال له زيد ؛ فلما رآه عرف شبهه فقال له : من أنت ؟ قال : أنا زيد بن عديّ . فكلمه فإذا هو غلام ظريف ؛ ففرح به فرحا شديدا ، فقرّبه واعتذر إليه من أمر أبيه ، ثم كتب إلى كسرى يربيه ويشفع له مكان أبيه . فولّاه كسرى . وكان يلي الكتابة عنده إلى ملوك العرب « 3 » وفي خواصّ أمور الملك . وكانت لملوك العجم صفة النساء مكتوبة عندهم ، وكانوا يبعثون في تلك الأرضين تلك الصفة ؛ فإذا وجدت حملت إلى الملك ؛ غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب .
--> ( 1 ) في طبعة بولاق : « ليستزيره » . ( 2 ) انظر قصة رسول كسرى في الأغاني 2 / 120 وما بعدها . ( 3 ) في طبعة بولاق : « وكان يلي المكاتبة عند آل ملوك العرب » . وهو تصحيف صوابه من الأغاني وشرح أبيات المغني للبغدادي .