البغدادي

355

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

لما تقدم في البيت قبله : وهو أنه حذف عائد المبتدأ الذي هو « كلّهن » من جملة الخبر حذفا قياسيا عند الفرّاء . قال الأعلم : « استشهد به س على رفع كلّ مع حذف الضمير من الفعل ، وجعله مثل زيد ضربت ؛ ولو نصب وقال « 1 » : كلّه لم أصنع ، وكلّهنّ قتلت ، لأجراه على ما ينبغي ولم يحتج إلى الرفع مع حذف الضمير . والقول عندي : أنّ الرفع هنا أقوى من زيد ضربت ، لأن « كلّا » لا يحسن حملها على الفعل ؛ لأنّ أصلها أن تأتي تابعة للاسم مؤكّدة ، كقولك : ضربت القوم كلهم ، أو مبتدأة بعد كلام نحو : القوم كلهم ذاهب . فإن قلت : ضربت كلّ القوم ، وبنيتها على الفعل لخرجت عن الأصل . فينبغي أن يكون الرفع أقوى من النصب وتكون الضرورة حذف الهاء لا رفع كلّ « 2 » » انتهى . وتبعه في هذا ابن الحاجب في « شرح المفصّل » ونقله عنه السعد في المطوّل . ونقل ابن الأنباريّ في « الإنصاف » « 3 » أن هذا البيت مما استدل به الكوفيون على جواز تأكيد النكرة ، قال : « ولا حجة لهم فيه ، لأنه محمول على أنه بدل لا تأكيد . ويجوز أن يكون أيضا ثلاث مبتدأ ، وكلهنّ مبتدأ ثان ، وقتلت خبر كلهنّ ، وهما جميعا خبر ثلاث » انتهى . وقال أبو جعفر النحاس : « ولا ينشد ثلاثا بنصبه بقتلت ؛ لأن قوله : كلهنّ قتلت ، جملة في موضع نعت لثلاث . ومن رفع قدّره : لي ثلاث ، ويكون كلهنّ قتلت نعتا . وإنّما لم يجز أن يروى ثلاثا لئلا يتقدم النعت على المنعوت » انتهى . أقول : من رفع وجعل الجملة بعده نعتا قدّر لي ونحوه خبرا للمبتدأ . وقوله « وإنما لم يجز أن يروى ثلاثا . . إلخ » مراده : أنه إذا نصب ثلاث بقتلت كان ثلاثا منعوتا بجملة « كلهنّ قتلت » ، فيكون قتلت من أجزاء النعت لثلاثا ، لأنّه بعض الجملة المنعوت بها ، ومع كونه من أجزاء النعت هو عامل في المنعوت المتقدم ؛ فيكون المنعوت متأخرا في الرتبة ، فيلزم تقديم النعت على المنعوت من حيث الرتبة . وهذا

--> ( 1 ) في طبعة بولاق : « وقيل » . وهو تصحيف . ( 2 ) في حاشية الطبعة السلفية 1 / 331 : « لم يذكر الأعلم الشنتمري هذا الكلام عند تفسير هذا الشاهد ، وإنما ذكر مثله عند تفسير شاهد يماثله ، وهو : قد أصبحت أم الخيار تدعي * علي ذنبا كله لم أصنع » ( 3 ) في حاشية طبعة هارون 1 / 367 : « لم أجد هذا الشاهد في كتاب الإنصاف على كثرة التنقيب فيه ، فلعل نسخة البغدادي أتم من النسخ المطبوعة » . وبدورنا لم نجد هذا الشاهد في الكتاب المذكور .