البغدادي
345
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وكان السبب في ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان دعا على مضر وقال : « اللهم اشدد وطأتك على مضر ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف » . فتوالت الجدوبة عليهم سبع سنين . فلما رأى حاجب الجهد على قومه جمع بني زرارة « 1 » . وقال : إني أزمعت على أني آتي الملك - يعني كسرى - فأطلب أن يأذن لقومنا فيكونوا تحت هذا البحر حتّى يحيوا . فقالوا : رشدت فافعل ! غير أنّا نخاف عليك بكر بن وائل . فقال : ما منهم وجه إلا ولي عنده يد ، إلا ابن الطويلة التّيمي ، وسأداويه « 2 » . ثم ارتحل ، فلم يزل ينتقل في الإتحاف والبرّ من الناس حتى انتهى إلى الماء الذي عليه ابن الطويلة ، فنزله ليلا ، فلما أضاء الفجر دعا بنطع ، ثم أمر فصبّ عليه التمر ، ثم نادى : حيّ على الغداء ! فنظر ابن الطويلة فإذا هو بحاجب ؛ فقال لأهل المجلس : أجيبوه . وأهدى إليه جزرا ، ثم ارتحل ، فلما بلغ كسرى شكا إليه الجهد في أموالهم وأنفسهم ، وطلب أن يأذن لهم فيكونوا في حدّ بلاده فقال : أنتم معشر العرب [ أهل ] غدر « 3 » ، فإذا أذنت لهم عاثوا في الرعية وأغاروا . قال حاجب : إني ضامن للملك أن لا يفعلوا . قال : فمن لي بأن تفي أنت ؟ قال : أرهنك قوسي ! فلما جاء بها ضحك من حوله ، فقال الملك : ما كان ليسلمها ، اقبضوها منه . . ثم جاءت مضر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت حاجب فدعا لهم ، فخرج أصحابه إلى بلادهم ، وارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى يطلب قوس أبيه . فقال : ما أنت بالذي وضعتها . قال : أجل إنه هلك وأنا ابنه وفيّ للملك . قال : ردّوا عليه . وكساه حلّة . فلما وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أهداها إليه فلم يقبلها ؛ فباعها من يهوديّ بأربعة آلاف درهم . فصار ذلك فخرا ومنقبة لحاجب وعشيرته . فيقول أبو تمّام : إذا افتخرت تميم بذلك ، فأنتم قتلتم الذين كسبوهم هذا المجد مما ارتهنوه وهدمتم عزّهم . وإنما يعني وقعة ذي قار حين
--> ( 1 ) في حاشية الطبعة السلفية 1 / 321 : « كذا في ش ، وعليها أثر تصحيح الشنقيطي . وفي الطبعة الأولى - بولاق - فزارة » . ( 2 ) في حاشية الطبعة السلفية 1 / 321 : « في الطبعة الأولى وش : « سأداويه » والتصحيح للأستاذ الميمني عن النقائض . وقال : وقوس حاجب مثل في العزّ . راجع خبر رهنها في النقائض 462 ؛ والمعارف 295 ؛ والروض 2 / 334 ؛ وثمار القلوب 501 والتلقيح ص 380 . ( 3 ) زيادة يقتضيها السياق من الإصابة 4 / 245 .