محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )
884
جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب
وأنّ الرجاء لما في يديه لا ينبغي إلّا بعد اليأس من رحمة اللّه ، إنّه لا يرى الآن إلّا الاقتار الذي نهاه اللّه عنه هو التبذير الذي يعاقب اللّه عليه ، والاقتصاد الذي أمر اللّه به هو الإسراف الذي يعذّب اللّه عليه ، وإنّ بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمنّ ، والبصل بالسّلوى « 1 » إلّا لفضل أحلامهم وقديم تدارسوه عن أيّامهم ، وإنّ الصّنيعة مرفوعة والصلاة موضوعة والهمّة مكروهة والصّدقة منسوخة ، والسّخاء من همزات الشياطين ، وإن مواساة الرّجل أخاه من الذنوب الموبقة وإفضاله عليه أحد الكبائر الموجبة ، وإن اللّه لا يغفر أن يؤثر المرء في خصاصة لنفسه ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومن آثر على نفسه فقد ضلّ عنده ضلالا بعيدا كأنّه لم يسمع بالمعروف إلّا في الجاهلية الذين قطع اللّه دابرهم ونهى المسلمين عن اتباع آثارهم ، وإنّ الرّجفة ما أصابت أهل مدين إلّا لسخاء كان فيهم ، ولا أهلكت الرّيح العقيم عادا إلّا لتوسّع كان منهم ، وهو يخشى العقاب على الإنفاق ، ويرجو الثواب على الإقتار ، ويعد نفسه العقوق ويأمرها بالبخل خيفة أن ينزل به ما نزل مثل قارع العالمين ، وأن يصيبه ما أصاب القرون الماضين ، فأقم رحمك اللّه على مكانتك ، واصطبر على عسرتك عسى اللّه أن يبدل لنا وإيّاك « 2 » خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً . وكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد : اعلم أنّ عليك من اللّه عينا ترعاك وتراك ، فإذا لقيت العدوّ فاحرص على الموت توهب لك الحياة ، ولا تغسّل الشّهداء فإنّ دم الشّهيد يكون له نورا . وكتب آخر : ما أدري كيف أصنع ؟ أعنيف « 3 » فأشتاق وأكتفي فلا أشتفي ، ثم يحدث لي اللقاء نوعا من الحرقة للوعة الفرقة . وكتب يزيد بن حاتم « 4 » إلى بعض وزرائه : قد أمرت لك بثلاثين ألف درهم لا أستكثرها امتنانا ، ولا أستقلها
--> ( 1 ) المنّ : صمغة أو شراب مثل العسل أو خبز الرقاق أو الكمأة . والسّلوى : طائر يشبه السّمانى أو الحمام واحدته السّلواة ( جامع البيان عن تأويل آي القرآن 1 / 294 - 297 ، المعاجم : منّ ، سلا ) . ( 2 ) بالمخطوط : « أن ينزل » . والجزء من الآية الكريم ( 81 ) من سورة الكهف . ( 3 ) لعلها « أعنّف » . ( 4 ) عبد ابن عبد ربّه يزيد بن حاتم مع الأجواد . ( العقد 1 / 306 ) .