محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )
872
جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب
الأعرابي ولّى وتركه ، وقال : إنّك لرجل أحمق ! فلمّا قدم على الحجّاج ، قال له : أعرّاف « 1 » أنت ؟ قال : ليس بعرّاف ولكنّي رصّاف ، قال : أفشاعر أنت ؟ قال : ليس بشاعر ولكنّي خابر « 2 » ، قال : فكيف رأيت أرض كرمان ؟ قال : ماؤها « 3 » وشل ، وسهلها جبل ، وثمرها دقل « 4 » ، قال : إن كثر « 5 » الجيش بها جاعوا ، وإن قلّوا بها ضاعوا ، قال : تاللّه إنك لصاحب الكلمة [ الخبيثة ] « 6 » « تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك » ؛ قال : أصلح الله الأمير ! ما نفعت من قيلت له ، ولا ضرّت من قيلت فيه ، قال : لأقطعنّ يدك ورجلك ، قال : العفو أقرب للتقوى ، وإن فعلت فجرمي إليك ، قال : لأحملكّ على الأدهم ، قال : مثل الأمير يحمل على الأدهم والكميت والأشقر ، قال : إنّه لحديد ، قال : الحديد خير من البليد ، قال : اذهبوا به إلى السجن ، فانطلقوا به إلى السجن ، وهو يقول « 7 » : فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ، وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ، فمكث في السجن إلى أن بنى الحجّاج قبّة له عظيمة بواسط « 8 » فأعجبته ما لم يعجبه شيء مثلها ، فقال لأصحابه : كيف ترون قبّتي هذه ؟ قالوا : ما رأينا مثلها أيّها الأمير ! قال : هي كذلك ولكن فيها عيب ، وسأبعث إلى من يخبرني بعيبها ، فبعث إلى الغضبان ، فأقبل يرسف في قيوده ، فقال له الحجّاج : كيف ترى قبّتي هذه ؟ قال : بنيت في غير بلدك ، ولا يسكنها
--> ( 1 ) العرّاف هنا : المنجّم أو الكاهن ، وقد تأتي بمعنى الطبيب عند العرب . وقد جاء في ( المسعودي 3 / 155 ) : « أنّ الغضبان صعد المنبر فخطب بمعايب الحجّاج والبراءة منه ، ودخل مع ابن الأشعث في أمره ، فلم يلبث إلّا قليلا ثمّ أسر ابن الأشعث ، فأخذ الغضبان فيمن أسر ، فلمّا أدخل على الحجّاج . . . » . ( 2 ) بالمخطوط : « حافز » . ( 3 ) بالمخطوط : « ماؤهاؤها » . ( 4 ) بالمخطوط : « وتبرها دقل » تحريف . والماء الوشل : القليل يتحلّب من جبل أو صخرة ولا يتصل قطره . والدّقل : أردأ التمر . ( 5 ) بالمخطوط : « أكثر » . ( 6 ) زيد ما بين حاصرتين عن مصدر التخريج . ( 7 ) سورة يس : الآية 50 . ( 8 ) بالمسعودي : « حتّى بنى الحجاج خضراء واسط » .