محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )
810
جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب
الدّنيا عارية من الملك الأعلى [ الذي لا يبيد ذكره ، ولا يذلّ سلطانه ] « 1 » ؛ فإن تقبل عليّ لا آخذها أخذ البطر الأشر ، وإن تدبر عنّي ، لا أبكي [ عليها ] بكاء الخرق المهتر « 2 » » . ثمّ نزل . ولما قدم زياد أميرا على البصرة ، نظر بيوتها ، فقال : « ربّ فرح بإمارتي « 3 » لن تنفعه ، وكاره لها لم تضرّه » ، فدخل ، وعليه قباء أبيض ، ورداء ممصّر « 4 » ، فصعد المنبر ، فخطب خطبة بتراء لم يبدأ فيها بحمد اللّه ، ولا صلّى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أول من فعل ذلك ، فقال : « أمّا بعد « 5 » ،
--> ( 1 ) زيد ما بين حاصرتين من المحقق عن ( العقد ) . ( 2 ) بالمخطوط : « . . . بكاء الخوف المهترة » . تحريف . وزيد ما بين حاصرتين من المحقق . وأشر أشرا ، فهو أشر ، مرح ونشط ، وبطر واستكبر . والبطر : الذي يغالي في الزّهو والمرح ، أو الإندهاش والحيرة ، أو المتحيّر . والمهتر : مهتر : اسم مفعول من أهتر الرجل فهو مهتر ، وهو الذي ذهب عقله بسبب المرض أو الحزن أو الكبر . ( 3 ) بالمخطوط : « بأمر » تحريف . وأخبار زياد في ( الكامل 2 / 222 - 245 ، والعقد 5 / 4 ، 5 ، 6 / 132 ) . ( 4 ) القباء : ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص ويتمنطق عليه ، والرّداء الممصّر : المصبوغ بالمصر ، هو مادّة حمراء من نبات أحمر طيّب الرائحة يصبغ بها . ( تاج العروس : قبى ) . ( 5 ) مصدر الخطبة البتراء عند أبي بكر الشنتريني ( عيون الأخبار 2 / 241 - 242 ) الذي جاءت فيه مجزّأة أو مقاطع منها ، قد أقحمت فيها عبارات من خطبة الاستلحاق ، وقريب من هذه الرواية ما ورد في ( النوادر للقالي 3 / 185 ) الذي يضيف على الخطبة عبارات الحمد للّه والثناء عليه ؛ إذ شكت بعض العلماء بذلك ؛ لأنه بسببه سمّيت بتراء . واطّردت الخطبة كاملة مع بعض اختلاف يسير في ( البيان والتبيين 2 / 29 ، والعقد 4 / 110 ، والطبري 3 / 240 ، والكامل لابن الأثير 3 / 222 ) . جاء في ( العقد ) : « . . . قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن أبي سفيان . . . والفسق بالبصرة ظاهر فاش ، فخطب خطبة بتراء لم يحمد اللّه فيها ، وقال غيره : بل قال : الحمد لله على إفضاله . . . [ أمّا بعد ، فإنّ الجهالة الجهلاء ، والضّلالة العمياء ، والعمى الموفي بأهله على النار ، ما فيه سفهاؤكم ، ويشتمل عليه حلماؤكم ، من الأمور العظام ، ينبت فيها الصغير ، ولا يتحاشى عنها الكبير ، كأنكم لم تقرؤوا كتاب اللّه ، ولم تسمعوا ما أعدّ اللّه من الثّواب الكريم لأهل طاعته ، والعذاب العظيم لأهل معصيته في الزّمن السّرمديّ الذي لا يزول ؟ أتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا ، وسدّت مسامعه الشهوات ، واختار الفانية على الباقية ، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه ، من ترككم هذه المواخير المنصوبة ، والضعيفة المسلوبة ، في النهار المبصر ، والعدد غير قليل . ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج اللّيل ، وغارة النهار ؟ ! قرّبتم القرابة ، وباعدتم الدّين ، تعتذرون بغير العذر ، وتغضّون على المختلس . كلّ امرئ منكم يذبّ عن سفيهه ، صنيع من لا يخاف عاقبة ، ولا يرجوا معادا . ما