محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )
805
جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب
وخطب الحجّاج « 1 » ، فقال : « امرؤ زوّر عمله « 2 » ، امرؤ حاسب نفسه ، امرؤ فكّر فيما يقرؤه في صحيفته ، ويراه في ميزانه ، وكان عند قلبه زاجرا ، وعند همّه آمرا « 3 » ، امرؤ أخذ بعنان قلبه ، فإن قاده إلى طاعة اللّه تبعه ، وإن قاده إلى معصية اللّه كفّه » . وخطب « 4 » عتبة بن أبي سفيان لمّا ورد عليه كتاب معاوية بعد أن تأخّرت كتبه ، وأرجف « 5 » أهل مصر بموته ، فصعد المنبر ، والكتاب في يده ، فقال : « يا أهل مصر ! قد طالت معاتبتنا إيّاكم بأطراف الرّماح ، وظبات « 6 » السّيوف حتّى صرنا شجا في لهواتكم ، ما تسيغنا حلوقكم ، وأقذاء « 7 » في أعينكم / ما تطرف عليها جفونكم ، أفحين ( 189 ) اشتدّت عرى الحقّ عليكم عقدا ، واسترخت عقد الباطل منكم حلّا ، أرجفتم بالخليفة « 8 » ، وأردتم توهين السّلطان ، وخضتم الحقّ إلى الباطل ، وأقدم عهدكم
--> ( 1 ) الخطبة في ( عيون الأخبار 2 / 291 ، والعقد 4 / 117 ) مع تقديم وتأخير في العبارات . وفي الأول : « امرءا زوّر . . . » . ( 2 ) زوّر عمله : حسّنه . ( 3 ) بالمخطوط : « زاجر . . . آمر » . وفيه : « امرؤ أخذ بعنان عمله » . ( 4 ) بالمخطوط : « وحطت » تصحيف . والخطبة ( في عيون الأخبار 2 / 239 ، والعقد 4 / 138 - 139 ) ، مع اختلاف . وعتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب : عاقل فصيح من فحول بني أمية ، شهد مع عثمان يوم الدّار ، ويوم الجمل مع عائشة ، وفقئت عينه ، وحجّ بالنّاس سنة 41 ه و 42 ه ، ولّاه معاوية مصر سنة 43 ه ، ثم خرج إلى الإسكندرية مرابطا ، فتوفّي فيها نحو 44 ه 664 م . قال الأصمعي : « الخطباء من بني أمية عتبة بن أبي سفيان وعبد الملك » ( نسب قريش 138 ، ورغبة الآمل 4 / 33 ، والسيرة الحلبية 2 / 138 ، والأعلام 4 / 200 ) . ( 5 ) أرجفوا : خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن . والإرجاف : الخبر الكاذب المثير للفتن والاضطراب . ( 6 ) بالمخطوط : « صبّات » تحريف ، والظّبات : ج ظبّة ، وهي حدّ السيف . ( 7 ) الشّجا : ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه ، اللّهوات : ج اللّهاة ، وهي اللّحمة المشرفة على الحلق . والأقذاء : ج القذى ، وهو ما يقع في العين من تراب ونحوه ( تاج العروس : شجا ، لها ، قذى ) . ( 8 ) بالمخطوط : « أرجفتكم في الخليفة » . والعروة في الأصل من الثوب : مدخل زرّه ، وهنا ما يستمسك به ويعتصم من الحقّ ، وفي التّنزيل العزيز : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها سورة البقرة ، من الآية 256 ، و ( تاج العروس : عرا ) .