محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )

18

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب

أتبني بناء الخالدين ، وإنّما * بقاؤك فيها ، لو علمت قليل لقد كان في ظلّ الأراك كفاية * لمن كلّ يوم يعتريه رحيل فلم يلبث بعد هذا إلّا يسيرا حتى قضى نحبه « 1 » وذلك سنة ( 467 ه ) . قضى المأمون نحبه ، وخرجت طليطلة من يد ولده خروجا بلا رجعة نتيجة للانغماس في اللّذات ، وعوض إعداد العدة والقوة للطوارئ والعدو المداهم . وكانت عادة النصارى تهديم المساجد في كل مدينة تقع في أيديهم ، أو تحويلها إلى كنائس . وفي ربيع الأول من سنة 478 ه « 2 » حوّل مسجد طليطلة الجامع إلى كنيسة ، ويصف لنا ابن بسام في عبارات دامية مؤثرة كيف ودّع « الشيخ المغامي » هذا الجامع ، « وكان آخر من صدر عنه بعدما سجد به واقترب ، وبكى عليه مليا وانتحب ، والنصارى يعظمون شأنه ، ويهابون مكانه ، لم تمتد إليه يد ، ولا عرض له بمكروه أحد » . وأمام هذه الغطرسة المتعجرفة « 3 » للملك النصراني الذي خاض الجزيرة حتّى أقصاها ، والإذلال الشديد الذي أوقعه على الملوك الأندلسيين والمسلمين لبّى أمير المرابطين يوسف بن تاشفين رحمه الله نداء إخوانه من برّ العدوة وخفّ إليهم بجيوشه إذ أباد خمسين ألفا قوام جيش الأذفونش عن آخره ، ولاذ هذا بطليطلة في فرسان عدة مكلومين بعد معركة ( الزلاقة 479 ه ) ، وبذلك استرد المسلمون بلنسية ، وفكوا الحصار عن سرقسطة ، وردّت لهم السيادة بالجزيرة الخضراء . وجمع الأذفونش جموعه ، ثم غزا بلاد جيّان من الأندلس فقاتله المسلمون ، وهزموه ، وأبادوا جيشه ( 485 ه ) ولم ينج إلّا هو في نفر يسير ، فكانت هذه الوقعة من أشهر الوقائع بعد الزلاقة ، وذكرها الشعراء في أشعارهم .

--> ( 1 ) نفح الطيب 1 / 528 - 529 ، و 4 / 353 ، وكمامة الزهر وصدفة الدر شرح قصيدة ابن عبدون ص 271 . ( 2 ) الذخيرة لابن بسام 7 / 168 . ( 3 ) انظر الذخيرة 7 / 166 .