أحمد زكي صفوت
63
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
كان تجوير النابتىّ لربه ، وتشبيهه بخلقه ، أعظم من ذلك وأفظع ، على أنهم مجمعون على أنه : ملعون من قتل مؤمنا ، متعمّدا أو متأوّلا ، فإذا كان القاتل سلطانا جائرا ، أو أميرا عاصيا ، لم يستحلّوا سبّه ولا خلعه ولا نفيه ولا عيبه ، وإن أخاف الصلحاء ، وقتل الفقهاء ، وأجاع الفقير ، وظلم الضعيف ، وعطّل الحدود والثّغور ، وشرب الخمور ، وأظهر الفجور ! ثم ما زال الناس يتسكّعون مرة ، ويداهنونهم مرة ، ويقاربونهم مرة ، ويشاركونهم مرة ، إلّا بقيّة ممّن عصمه اللّه تعالى ذكره ، حتى قام عبد الملك بن مروان ، وابنه الوليد ، وعاملهما الحجاج بن يوسف ، وموهلا يزيد بن أبي مسلم ، فأعادوا على البيت بالهدم « 1 » ، وعلى حرم المدينة بالغزو « 2 » ، فهدموا الكعبة ، واستباحوا الحرمة ، وحوّلوا قبلة واسط « 3 » ، وأخّروا صلاة الجمعة إلى مغيربان « 4 » الشمس ، فإن قال رجل لأحدهم : اتّق اللّه فقد أخّرت الصلاة عن وقتها ، قتله على هذا القول جهارا غير ختل « 5 » ، وعلانية غير سرّ ، ولا يعلم
--> ( 1 ) يعنى ما كان من مقاتلة الحجاج عبد اللّه بن الزبير بمكة وحصره إياه ورميه الكعبة بالمنجنيق في عهد عبد الملك بن مروان سنة 73 - انظر تاريخ الطبري 7 : 202 ( والمنجنيق بفتح الميم وتكسر : آلة ترمى بها الحجارة ) . ( 2 ) بعث عبد الملك بن مروان سنة 65 حبيش بن دلجة القيسي في سبعة آلاف إلى المدينة فدخلها ثم خرج إلى الربذة ( قرب المدينة ) وقدم عليه مدد من الشام ، وكتب عبد اللّه بن الزبير إلى عياش ابن سهل الساعدي بالمدينة أن يسير إلى حبيش فسار إليه ، وقد وافاه مدد من البصرة ، ونشب القتال بين الفريقين ، فقتل حبيش ومن معه - انظر العقد الفريد 2 : 263 ، وتاريخ الطبري 7 : 84 . ( 3 ) انظر ص 9 من الجزء الثالث . ( 4 ) أي إلى غروبها ، نقل ابن أبي الحديد في شرحه م 3 : ص 470 : « كان بنو أمية يؤخرون صلاة الجمعة تشاغلا عنها بالخطبة ، ويطيلون فيها إلى أن تتجاوز وقت العصر ، وتكاد الشمس تصفر ، فعل ذلك الوليد بن عبد الملك ، ويزيد أخوه ، والحجاج عاملهم ، ووكل بهم الحجاج المسالح معه ( والمسالح جمع مسلحة بالفتح : وهي القوم ذو وسلاح ) والسيوف على رؤوسهم ، فلا يستطيعون أن يصلوا الجمعة في وقتها ، وقال الحسن البصري : وا عجبا من أخيفش أعيمش ، جاءنا ففتننا عن ديننا ، وصعد على منبرنا ، فيخطب والناس يلنفتون إلى الشمس ، فيقول : ما بالكم تلتفتون إلى الشمس ! إنا واللّه ما نصلى للشمس ، إنما نصلى لرب الشمس ، أفلا تقولون : يا عدو اللّه ، إن للّه حقا بالليل لا يقبله بالنهار ، وحقا النهار لا يقيله بالليل ؟ ثم يقول الحسن : وكيف يقولون ذلك ، وعلى رأس كل واحد منهم علج قائم بالسيف » اقرأ هناك فصلا طويلا في مقابح بنى أمية . ( 5 ) الختل : الخداع .