أحمد زكي صفوت

64

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

القتل على ذلك إلا أقبح من إنكاره ، فكيف يكفّر العبد بشئ ولا يكفر بأعظم منه ؟ وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ الجبابرة ، وخوّفهم العواقب ، وأراهم أن في الناس بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض ، حتى قام عبد الملك بن مروان ، والحجاج ابن يوسف ، فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه ، وقتلا فيه ، فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، فاحسب تحويل القبلة كان غلطا ، وهدم البيت كان تأويلا ، واحسب ما رووا من كل وجه أنهم كانوا يزعمون أن خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم « 1 » ، باطلا ومسموعا مولّدا ، واحسب وسم أيدي المسلمين « 2 » ، ونقش أيدي المسلمات ، وردّهم بعد الهجرة إلى قراهم ، وقتل الفقهاء ، وسبّ أئمة الهدى ، والنّصب لعترة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لا يكون كفرا ، كيف تقول في جمع ثلاث صلوات فيهن الجمعة ، ولا يصلّون أولاهنّ حتى تصير الشمس على أعالي الجدران كالملاء المعصفر « 3 » ، فإن نطق مسلم خبط بالسيف ، وأخذته العمد ، وشكّ بالرماح ، وإن قال قائل : اتق اللّه ، أخذته العزّة بالإثم ، ثم لم يرض إلا بنثر دماغه على صدره ، وبصلبه حيث تراه عياله .

--> ( 1 ) عقد صاحب العقد الفريد 19 في أخبار الحجاج فصلا فيمن زعم أنه كان كافرا ( ج 3 : ص 19 ) جاء فيه أنه قال في كلام له : « ويحكم ! أخليفة أحدكم في أهله أكرم عليه ، أم رسوله إليهم ؟ » وجاء في شرح ابن أبي الحديد م 3 : ص 470 « وخطب الحجاج بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآله بالمدينة فقال : تبا لهم ، إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية ، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ؟ ألا يعلمون أن خليفة المرء خير من رسوله ! » ( 2 ) وجاء في شرح ابن أبي الحديد أيضا : « وكانت بنو أمية تختم في أعناق المسلمين كما توسم الخيل علامة لاستعبادهم ، ونقشوا أكف المسلمين علامة لاسترقاقهم ، كما يصنع بالعلوج من الروم والحبشة » وجاء في تاريخ الطبري 7 : 206 « وفي سنة 74 استعمل عبد الملك الحجاج على المدينة ، فكان يتعبث بأهلها ويتعنتهم ، واستخف فيها بأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فختم في أعناقهم ، وعن إسحاق بن يزيد أنه رأى أنس بن مالك مختوما في عنقه ، يريد أن يذله بذلك ، ودعا الحجاج سهل بن سعد ، فقال : ما منعك أن تنصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ؟ قال : قد فعلت ، قال : كذبت ، ثم أمر به فختم في عنقه برصاص » . ( 3 ) أي المصبوغ بالعصفر - كبرقع وهو صبغ أصفر .