أحمد زكي صفوت

48

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

معروفه كريما ، حتى يكون عقله غامرا لعلمه ، وعلمه غالبا على طباعه ، كما لا أسمّيه بكفّ العقاب حكيما ، حتى يكون عارفا بمقدار ما أخذ وترك ، ومتى وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلا البغض المحض ، والنّفار الغالب ، فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنّم ، لعذرك كثير من العقلاء ، وصوّب رأيك عالم من الأشراف ، والأناة أقرب من الحمد ، وأبعد من الذم ، وأنأى من خوف العجلة ، وقد قال الأول : « عليك بالأناة ، فإنك على إيقاع ما تتوقعه أقدر منك على ردّ ما قد أوقعته » وليس يصارع الغضب أيام شبابه شئ إلا صرعه ، ولا ينازعه قبل انتهائه إلا قهره ، وإنما يحتال له قبل هيجه ، فمتى تمكن واستفحل ، وأذكى ناره وأشعل ، ثم لاقى من صاحبه قدرة ، ومن أعوانه سمعا وطاعة ، فلو استبطنته بالتوراة ، وأوجرته « 1 » بالإنجيل ، ولددته « 2 » بالزبور ، وأفرغت على رأسه القرآن إفراغا ، وأتيته بآدم شفيعا ، لما قصّر دون أقصى قوّنه ، ولن يسكن غضب العبد إلا ذكّره غضب الرّبّ . فلا تقف - حفظك اللّه - بعد مضيّك في عتابى التماسا للعفو عنى ، ولا تقصّر عن إفراطك من طريق الرحمة بي ، ولكن قف وقفة من يتّهم الغضب على عقله ، والشيطان على دينه ، ويعلم أن للكرم أعداء ، ويمسك إمساك من لا يبرّئ نفسه من الهوى ، ولا يبرئ الهوى من الخطأ ، ولا تنكر لنفسك أن تزلّ ، ولعقلك أن يهفو ، فقد زلّ آدم صلى اللّه عليه وسلم ، وقد خلقه بيده ، ولست أسألك إلا ريثما تسكن نفسك ، ويرتدّ إليك ذهنك ، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة ، واللّه يعلم - وكفى به عليما - لقد أردت أن أفديك بنفسي في مكاتباتى ، وكنت عند نفسي

--> ( 1 ) وجرته الدواء ، وأوجرته إياه : جعلته في فيه ، والوجور كصبور : الدواء يوجر في وسط الفم . ( 2 ) اللدود كصبور ، وككريم : ما يصب بالمسعط من الدواء في أحد شقى الفم ، وقد لده إياه وألده .