أحمد زكي صفوت

47

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فما ظنّك بسرف الغيظ وغلبة الغضب ، من طيّاش ، عجول فحّاش ، ومعه من الخرق بقدر قسطه من التهاب المرّة « 1 » الحمراء ، وأنت روح كما أنت جسم ، وكذلك جنسك ونوعك ، إلا أن التأثر في الرّقاق أسرع ، وضدّه في الغلاظ الجفاة أكمل ، ولذلك اشتدّ جزعي عليك من سلطان الغيظ وغلبته ، فإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك ، من مقدار عقابك عليه ، فانظر في علّته ، وفي سبب إخراجه إلى معدنه الذي منه نجم ، وعشّه الذي منه درج ، وإلى جهة صاحبه في التسرع والثبات ، وإلى حلمه عند التعريض ، وفطنته عند التوبة ، فكلّ ذنب كان سببه ضيق صدر من جهة القبض « 2 » في المقادير ، أو من طريق الأنفة ، وغلبة طباع الحميّة من جهة الجفوة ، أو من جهة استحقاقه فيما زيّن له عمله أنه مقصّر به في حقه ، مؤخّر عن رتبته ، أو كان مبلّغا عنه مكذوبا عليه ، أو كان ذلك جائزا فيه غير ممتنع عنه ، فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل ، فليس يقف عليها كريم ، ولا ينظر فيها حليم ، ولست أسمّيه بكثرة

--> ( 1 ) المرة والخلط ( بالكسر وجمعه أخلاط ) والمزاج ( بالكسر أيضا وجمعه أمزجة ) : واحد ، وهو ما ركب عليه البدن من الطبائع الأربع : الدم والمرتين الصفراء والسوداء والبلغم . وجاء في العقد الفريد 3 : 287 في باب طباع الإنسان : « زعم علماء الطب أن في الجسد من الطبائع الأربع اثنى عشر رطلا ، فللدم منها ستة أرطال ، وللمرة الصفراء والسوداء والبلغم ستة أرطال . . . » وفيه أيضا : « عن وهب بن منبه أنه قرأ في التوراة أن اللّه عز وجل حين خلق آدم ، ركب جسده من أربعة أشياء ثم جعلها وراثة في ولده - وتنمو في أجسادهم ، وينمون عليها إلى يوم القيامة : رطب ويابس وسخن وبارد ، قال وذلك أنى خلقته من تراب وماء وجعلت فيه ببسا ، فيبوسة كل جسد من قبل التراب ، ورطوبته من قبل الماء ، وحرارته من قبل النفس ، وبرودته من قبل الروح ، ثم خلقت للجسد بعد هذا الخلق الأول أربعة أنواع أخر ، وهي ملاك الجسد وقوامه ، فإذن لا يقوم الجسد إلا بهن ، ولا تقوم واحدة إلا بالأخرى : المرة السوداء ، والمرة الصفراء ، والدم الرطب الحار ، والبلغم البارد ، ثم أسكنت بعض هذا الخلق في بعض ، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ، ومسكن الرطوبة في الدم ومسكن البرودة في البلغم ، ومسكن الحرارة في المرة الصفراء ، فأيما جسد اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع ، وكانت كل واحدة فيه وفقا لا تزيد ولا تنقص ، كملت صحته ، واعتدلت بنيته ، وإن زادت واحدة منهن غلبتهن وقهرتهن ومالت بهن ، ودخل على أخواتها السقم من ناحيتها بقدر ما زادت ، وإن كانت ناقصة عنهن ملن بها وعلونها ، ودخل عليها السقم من نواحيهن ، لفلتها عنهن ، حتى تضعف عن طاقتهن ، وتعجز عن مقاومتهن » ا ه . ( 2 ) في الأصل « الفيض » .