أحمد زكي صفوت
44
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
من القوة إلى حبّ الإنصاف ، ورجّح في قلبك إيثار الأناة « 1 » ، فقد خفت - أيّدك اللّه - أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السّفهاء ، ومجانبة سبل الحكماء ، وبعد ، فقد قال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت : وإن امرأ أمسى وأصبح سالما * من الناس إلّا ما جنى لسعيد « 2 » وقال الآخر « 3 » : ومن دعا الناس إلى ذمّه * ذمّوه بالحقّ وبالباطل فإن كنت اجترأت عليك - أصلحك اللّه - فلم أجترئ إلّا لأن دوام تغافلك عنى شبيه بالإهمال الذي يورث الإغفال ، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة « 4 » ، ولذلك قال عيينة « 5 » بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه اللّه : « عمر كان خيرا لي منك : أرهبنى فأتقانى ، وأعطاني فأغنانى » « 6 » . فإن كنت لا تهب عقابي - أيدك اللّه - لحرمة « 7 » ، فهبه لأياديك عندي ، فإن النّعمة تشفع في النّقمة ، وإلّا تفعل ذلك لذلك ، فعد إلى حسن العادة ، وإلّا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة ، وإلا فأت ما أنت أهله من العفو ، دون ما أنا أهله من
--> ( 1 ) الأناة : الحلم ، والنزق : الطيش . ( 2 ) ويروى هذا البيت لحسان بن ثابت - انظر ديوان حسان ص 142 - وفي ديوان الحماسة 2 : 14 أنه لرجل من بنى قريع . ( 3 ) ذكر صاحب زهر الآداب أنه محمد بن حازم الباهلي ، وفي الأغانى ( ج 13 : ص 10 ) أنه العتابي أو الحكم بن قنبر ، وقبله : مقالة السوء إلى أهلها * أسرع من منحدر سائل ( 4 ) المكافأة : المجازاة . ( 5 ) هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ، أحد المؤلفة قلوبهم ، أعطاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غنائم هوازن مائة بعير - انظر سيرة ابن هشام 2 : 321 . ( 6 ) بسط الجاحظ معاني هذه الرسالة بصورة أوسع ، في رسالته « التربيع والتدوير » وأورد فيها أكثر فقرها بألفاظها - انظر الفصول المختارة من كتب الجاحظ على هامش الكامل للمبرد ص 60 وما بعدها ، ومجموعة رسائل الجاحظ ، طبع الساسى ض 112 . ( 7 ) في الأصل « لخدمة » وهو تحريف وصوابه « لحرمة » والتصويب عن رسالة التربيع والتدوير وفيها « لحرمتى » .