أحمد زكي صفوت

10

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

ملجأ ولا مهربا ، ثم أمكنهم من أهاليهم ، وأولادهم ، ونسائهم ، وحرمهم ، وصيّروا الدار دارهم ، والمحلّة محلّتهم ، والأموال قسما بينهم ، والأهل إماء وعبيدا ، وفوق ذلك كله ما فعل بهؤلاء وأعطاهم من الرحمة والثواب ، وما أعدّ لأولئك من الخزي والعقاب ، وصار الكافر بابك لا فيمن قتل ، فسلم من ذلّ الغلبة ولا فيمن نجا ، فعاين في الحياة بعض العوض ، ولا فيمن أصيب ، فيشتغل بنفسه عن المصيبة بما سواه ، لكنه سبحانه وتعالى أطلقه وسدّ مذاهبه ، وتركه متلدّدا « 1 » بين الذل والخوف ، والغصّة والحسرة ، حتى إذا ذاق طعم ذلك كلّه وفهمه ، وعرف موقع المصيبة ، وظنّ مع ذلك كلّه أنه على طريق من النجاة ، فضرب اللّه وجهه ، وأعمى بصره ، وسدّ سبيله ، وأخذ بسمعه وبصره ، وحازه إلى من لا يرقّ له ، ولا يرثى لمصرعه . فامتثل ما أمر به الأفشين « حيدر بن كاوس « 2 » » مولى أمير المؤمنين في أمره ، فبثّ له الحبائل ، ووضع عليه الأرصاد ، ونصب له الأشراك ، حتى أظفره اللّه به أسيرا ذليلا موثقا في الحديد ، يراه في تلك الحالة من كان يراه ربّا ، ويرى الدائرة عليه من كان يظن أنها ستكون له . فالحمد للّه الذي أعزّ دينه ، وأظهر حجّته . ونصر أولياءه ، وأهلك أعداءه ، حمدا يقضى به الحقّ ، وتتمّ به النّعمة ، وتتصل به الزيادة ، والحمد للّه الذي فتح على أمير المؤمنين وحقّق ظنّه ، وأنجح سعيه ، وحاز له أجر هذا الفتح وذخره وشرفه ، وجعله خالصا لتمامه وكماله ، بأكمل الصّنع وأحسن الكفاية ، ولم ير بؤسا فيه ما يقذى عينه ، ولا خلا من سرور يراه ، وبشارة تتجدّد له عنه ، فما يدرى أمير المؤمنين ما متّع فيه من الأمل ، أو ما ختم له من الظفر ، فالحمد للّه أولا ، والحمد للّه آخرا ، والحمد للّه على عطاياه التي لا تحصى ، ونعمه التي لا تنسى ، إن شاء اللّه تعالى » . ( صبح الأعشى 6 : 400 )

--> ( 1 ) تلدد : تلفت يمينا وشمالا ؟ وتحير متبلدا ، وتلبث . ( 2 ) هكذا في تاريخ الطبري ( 10 : 307 ) وفي زهر الآداب ( 1 : 324 ) وفي صبح الأعشى « حيدر بن طاوس » الطاء .