أحمد زكي صفوت
47
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
قوم خواصّ رجال عندهم على هذا معونة ، إذا صنعوا لذلك ، وتلطّف لهم ، وأعينوا على رأيهم ، وقوّوا على معاشهم ببعض ما يفرّغهم لذلك ويبسطهم له ، وخطر « 1 » هذا جسيم في أمرين : أحدهما رجوع أهل الفساد إلى الصلاح ، وأهل الفرقة إلى الألفة . والأمر الآخر أن لا يتحرك متحرّك في أمر من أمور العامّة إلا وعين ناصحة ترمقه ، ولا يهمس هامس إلا وأذن شفيقة تصيخ « 2 » نحوه ، وإذا كان ذلك لم يقدر أهل الفساد على تربيض « 3 » الأمور وتلقيحها ، وإذا لم تلقّح كان نتاجها بإذن اللّه مأمونا . وقد علمنا علما لا يخالطه شكّ أن عامّة قط لم تصلح من قبل أنفسها ، ولم يأتها الصّلاح إلا من قبل خاصّتها ، وأن خاصّة قطّ لم تصلح من قبل أنفسها ، وأنها لم يأتها الصلاح إلّا من قبل إمامها ، وذلك لأن عدد الناس في ضعفتهم « 4 » وجهّالهم الذين لا يستغنون برأي أنفسهم ، ولا يحملون العلم ، ولا يتقدمون في الأمور ، فإذا جعل اللّه فيهم خواصّ من أهل الدين والعقول ، ينظرون إليهم ويسمعون منهم ، واهتمّت خواصّهم بأمور عوامّهم ، وأقبلوا عليها بجدّ ونصح ومثابرة وقوة ، جعل اللّه ذلك صلاحا لجماعتهم ، وسببا لأهل الصلاح من خواصّهم ، وزيادة فيما أنعم اللّه به عليهم ، وبلاغا إلى الخير كلّه ، وحاجة الخاصّة إلى الإمام الذي يصلحهم اللّه به كحاجة العامة إلى خواصّهم وأعظم من ذلك ، فبالإمام يجمع اللّه أمرهم ، ويكبت « 5 » أهل الطعن عليهم ، ويجمع رأيهم وكلمتهم ، ويبيّن لهم عند العامة منزلتهم ، ويجعل لهم لحجّة والأيد « 6 » والمقال على من نكب « 7 » عن سبيل حقهم . فلما رأينا هذه الأمور ينتطم بعضها ببعض ، وعرفنا من أمر أمير المؤمنين ما بمثله جمع اللّه خواصّ المسلمين على الرغبة في حسن المعاونة والمؤازرة والسعي في صلاح عامّتهم :
--> ( 1 ) الخطر : القدر . ( 2 ) أصاخ له : استمع . ( 3 ) من تربيض السقاء : وهو أن يجعل ما فيه يغمر قعره . ( 4 ) ضعفة : جمع ضعيف كضعاف . ( 5 ) كبته : أخزاه وأذله ورده بغيظه . ( 6 ) الأيد : القوة . ( 7 ) أي مال وعدل .