أحمد زكي صفوت
46
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
وظائف معلومة ، وتدوين الدواوين بذلك ، وإثبات الأصول ، حتى لا يؤخذ رجل إلا بوظيفة قد عرفها وضمنها ، ولا يجتهد في عمارة إلا كان له فضلها ونفعها ، لرجونا أن يكون في ذلك صلاح للرعية ، وعمارة للأرض ، وحسم لأبواب الخيانة وغشم « 1 » العمال ، وهذا رأى مؤنته شديدة ، ورجاله قليل ، ونفعه متأخّر ، وليس بعد هذا في أمر الخراج إلا رأى قد رأينا أمير المؤمنين أخذ به ، ولم نره من أحد قبله ، من تخيّر العمال وتفقّدهم والاستعتاب « 2 » لهم ، والاستبدال بهم . ومما يذكّر به أمير المؤمنين ، جزيرة العرب من الحجاز واليمن واليمامة وما سوى ذلك ، أن يكون من رأى أمير المؤمنين - إذا سخت نفسه عن أموالها من الصّدقات وغيرها - أن يختار لولايتها الخيار من أهل بيته وغيرهم ، لأن ذلك من تمام السّيرة العادلة ، والكلمة الحسنة التي قد رزق اللّه أمير المؤمنين وأكرمه بها ، من الرأي الذي هو بإذن اللّه حمى ونظام لهذه الأمور كلّها في الأمصار والأجناد والثّغور والكور . إنّ بالناس من الاستجراح « 3 » والفساد ما قد علم أمير المؤمنين ، وبهم من الحاجة إلى تقويم آدابهم وطرائفهم ما هو أشدّ من حاجتهم إلى أقواتهم التي يعيشون بها ، وأهل كل مصر وجند وثغر فقراء إلى أن يكون لهم من أهل الفقه والسّنّة والسّير والنصيحة مؤدّبون مقوّمون يذكّرون ، ويبصّرون « 4 » الخطأ ، ويعظون من الجهل ، ويمنعون عن البدع ، ويحذّرون الفتن ، ويتفقدون أمور عامّة من هو بين أظهرهم ، حتى لا يخفى عليهم منها مهمّ ، ثم يستصلحون ذلك ويعالجون ما استنكروا منه بالرأي والرّفق والنّصح ، ويرفعون ما أعياهم إلى ما يرجون قوّته عليهم « 5 » ، مأمونين على سير ذلك وتحصينه ، بصراء بالرأي حين ببدو ، وأطبّاء باستئصاله قبل أن يتمكّن ، وفي كل
--> ( 1 ) الغشم : الظلم . ( 2 ) استعتبه . استرضاه . ( 3 ) الاستجراح : الفساد والعيب ، وفي الأصل « الاستخراج » وهو تصحيف . ( 4 ) بصره الأمر : فهمه إياه . ( 5 ) كذا في الأصل ، والأظهر أن يكون « قوتهم عليه » .