أحمد زكي صفوت
45
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
ومشورته ، أو صاحب نجدة يعرف بها ويستعدّ لها ، يجمع نجدته حسبا وعفافا ، فيرفع من الجند إلى الصّحابة أو رجل فقيه مصلح يوضع بين أظهر الناس لينتفعوا بصلاحه وفقهه ، أو رجل شريف لا يفسد نفسه أو غيرها ، فأمّا من يتوسّل بالشّفاعات فإنه يكتفي أو يكتفى له بالمعروف والبر فيما لا يهجّن رأيا ، ولا يزيل أمرا عن مرتبته ، ثم تكون تلك الصحابة المخلصة على منازلها ، ومداخلها ، لا يكون للكاتب فيها أمر في رفع رزق ولا وضعه ، ولا للحاجب في تقديم إذن ولا تأخيره . ومما يذكر به أمير المؤمنين ، أمر فتيان أهل بيته وبنى أبيه وبنى علىّ وبنى العباس ، فإن فيهم رجالا لو متّعوا بجسام الأمور والأعمال سدّوا وجوها ، وكانوا عدّة لأخرى . ومما يذكّر به أمير المؤمنين ، أمر الأرض والخراج ، فإن أجسم ذلك وأعظمه خطرا ، وأشدّه مؤنة وأقربه من الضّياع ، ما بين سهله وجبله ، ليس لها تفسير على الرساتيق « 1 » والقرى ، فليس للعمّال أمر ينتهون إليه ، ولا يحاسبون عليه ، ويحول بينهم وبين الحكم على أهل الأرض بعد ما يتأنّقون لها في العمارة ، ويرجون لها فضل ما تعمل أيديهم ، فسيرة العمال فيهم إحدى ثنتين : إما رجل أخذ بالخرق « 2 » والعنف من حيث وجد ، وتتبّع الرجال والرساتيق بالمغالاة ممن وجد ، وإما رجل صاحب مساحة ، يستخرج ممن زرع ، ويترك من لم يزرع ، فيعمر من عمر « 3 » ، ويسلم من أخرب ، مع أن أصول الوظائف « 4 » على الكور لم يكن لها ثبت « 5 » ، ولا علم ، وليس من كورة إلا وقد غيّرت وظيفتها مرارا ، فخفيت وظائف بعضها ، وبقيت وظائف بعض ، فلو أن أمير المؤمنين أعمل رأيه في التوظيف على الرّساتيق والقرى والأرضين
--> ( 1 ) الرساتيق : جمع رستاق بالضم ، ويستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم ، معرب . ( 2 ) الخرق بالضم وبالتحريك : ضد الرفق ، وألا يحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور . والحمق . ( 3 ) يعمر هنا معناه : يدفع ، أي يعمر خزانة الدولة من عمر الأرض . ( 4 ) أي المقدرات . ( 5 ) شئ ثبت : ثابت ، أي ليس لها قانون ثابت يجرى فيها على مقتضاه .