أحمد زكي صفوت
44
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
وغيرهم من سروات « 1 » قريش ، ويخرج له من المعونة على نحو ذلك ، لم يضعه بهذا الموضع رعاية رحم ، ولا فقه في دين ، ولا بلاء في مجاهدة عدوّ معروفة ماضية متتابعة قديمة ، ولا غناء حديث ، ولا حاجة إليه في شئ من الأشياء ، ولا عدّة يستعدّ بها ، وليس بفارس ولا خطيب ولا علّامة ، إلا أنه خدم كاتبا أو حاجبا ، فأخبر أن الدين لا يقوم إلا به ، حتى كتب كيف شاء ، ودخل حيث شاء . وأما المظلمة التي دخلت في ذلك فعظيمة ، قد خصّت قريشا وعمّت كثيرا من الناس ، وأدخلت على الأحساب والمروءات محنة شديدة وضياعا كثيرا ، فإن في إذن الخليفة ، والمدخل عليه والمجلس عنده ، وما يجرى على صحايته من الرزق والمعونة ، وتفضيل بعضهم على بعض في ذلك ، حكما عظيما على « 2 » الناس في أنسابهم وأخطارهم وبلاء أهل البلاء منهم ، وليس ذلك كخواصّ المعروف ولطيف المنازل ، أو الأعمال التي يختص بها المولى من أحبّ ، ولكنه باب من القضاء جسيم عامّ يقضى فيه للماضين من أهل السّوابق والمآثر من أهل الباقين ، وأهل البلاء والغناء بالعدل أو بما يحال فيه عليهم ، فإن أحقّ المظالم بتعجيل الرفع والتغيير ، ما كان ضرّه عائبا ، وكان للسلطان شائنا ، ثم لم يكن في رفعه مؤنة ، ولا شغب ، ولا توغير لصدور « 3 » ، عامّة ، ولا للقوة والإضرار « 4 » سبب . ولصحابة أمير المؤمنين - أكرمه اللّه - مزيّة وفضل ، وهي مكرمة سنيّة حريّة أن تكون شرفا لأهلها ، وحسبا لأعقابهم ، حقيقة أن تصان وتحظر ، ولا يكون فيها إلا رجل بدر « 5 » بخصلة من الخصال ، أو « 6 » رجل له عند أمير المؤمنين خاصّة بقرابة أو بلاء ، أو رجل يكون شرفه ورأيه وعمله أهلا لمجلس أمير المؤمنين وحديثه
--> ( 1 ) سروات جمع سراة بالفتح ، وسراة : اسم جمع سرىّ كغنى ، وصف من السرو بالفتح : وهو المروءة في شرف . ( 2 ) في الأصل « على أن الناس » وكلمة « أن » لا لزوم لها في الجملة ، والظاهر أنها وقعت سهوا . ( 3 ) في الأصل « بصدور » وهو تحريف . ( 4 ) وفيه « ولا إضرار » وهو تحريف . ( 5 ) بدر إليه : عجل وسبق . ( 6 ) في الأصل « ومن رجل » وهو تحريف .