أحمد زكي صفوت

34

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

وشكّا ، والذي يقول أهل القصد من المسلمين هو أقوى للأمر ، وأعزّ للسلطان ، وأقمع للمخالف ، وأرضى للموافق ، وأثبت للعذر عند اللّه عز وجل . فإنا قد سمعنا فريقا من الناس يقولون : لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ، بنوا قولهم هذا بناء معوجّا فقالوا : إن أمرنا الإمام بمعصية اللّه فهو أهل أن يعصى ، وإن أمرنا الإمام بطاعة اللّه فهو أهل أن يطاع ، فإذا كان الإمام يعصى في المعصية ، وكان غير الإمام يطاع في الطاعة ، فالإمام ومن سواه على حقّ الطاعة سواء ، وهذا قول معلوم يجده الشيطان ذريعة إلى خلع الطاعة ، والذي فيه أمنيّته لكي يكون الناس نظائر ، ولا يقوم بأمرهم إمام ، ولا يكون على عدوّهم منهم ثقل . سمعنا آخرين يقولون : بل نطيع الأئمة في كل أمورنا ، ولا نفتّش عن طاعة اللّه ولا معصيته ، ولا يكون أحد منا عليهم حسيبا ، هم ولاة الأمر وأهل العلم ، ونحن الأتباع وعلينا الطاعة والتسليم ، وليس هذا القول بأقلّ ضررا في توهين « 1 » السلطان ، وتهجين الطاعة ، من القول الذي قبله ، لأنه ينتهى إلى الفظيع المتفاحش من الأمر ، في استحلال معصية اللّه جهارا صراحا « 2 » . وقال أهل الفضل والصواب : قد أصاب الذين قالوا : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولم يصيبوا في تعطيلهم طاعة الأئمة ، وتسخيفهم إياها ، أصاب الذين أقرّوا بطاعة الأئمة لما حقّقوا منها ، ولم يصيبوا ما أبهموا من ذلك في الأمور كلّها . فأمّا إقرارنا بأنه لا يطاع الإمام في معصية اللّه ، فإنما ذلك من عزائم الفرائض والحدود التي لم يجعل اللّه لأحد عليها سلطانا ، ولو أن الإمام نهى عن الصلاة والصيام والحج ، أو منع الحدود وأباح ما حرّم اللّه ، لم يكن له في ذلك أمر . فأمّا إثباتنا للإمام الطاعة فيما لا يطاع فيه غيره ، فإن ذلك في الرأي والتدبير والأمر

--> ( 1 ) التوهين : الإضعاف ، والتهجين : التقبيح . ( 2 ) يقال : شتمه مصارحة وصراحا بالضم والكسر : أي مواجهة .