أحمد زكي صفوت
35
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
الذي جعل اللّه أزمّته وعراه بأيدي الأئمة ، ليس لأحد فيه أمر ولا طاعة ، من الغزو والقفول « 1 » ، والجمع والقسم ، والاستعمال والعزل ، والحكم بالرأي فيما لم يكن فيه أثر ، وإمضاء الحدود والأحكام على الكتاب والسّنة ، ومحاربة العدو ومخادعته ، والأخذ للمسلمين والإعطاء عليهم ، وهذه الأمور وأشباهها من طاعة اللّه عز وجل الواجبة ، وليس لأحد من الناس فيها حق إلا الإمام ، ومن عصى الإمام فيها أو خذله فقد أوتغ « 2 » نفسه ، وليس يفترق هذان الأمران إلا ببرهان من اللّه عز وجل عظيم ، وذلك أن اللّه جعل قوام الناس وصلاح معاشهم ومعادهم في خلّتين : الدّين والعقل ، ولم تكن عقولهم - وإن كانت نعمة اللّه عز وجل عظمت عليهم فيها - بالغة معرفة الهدى ، ولا مبلغة أهلها رضوان اللّه ، إلا بما أكمل لهم من النعمة ، بالدّين الذي شرع لهم ، وشرح به صدر من أراد هداه منهم ، ثم لو أنّ الدّين جاء من اللّه لم يغادر حرفا من الأحكام والرأي والأمر وجميع ما هو وارد على الناس ، وجار فيهم مذ بعث اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم يلقونه إلا جاء فيه بعزيمة ، لكانوا قد كلّفوا غير وسعهم ، فضيّق عليهم في دينهم ، وأتاهم ما لم تتّسع « 3 » أسماعهم لاستماعه ، ولا قلوبهم لفهمه ، ولحارت عقولهم وألبابهم التي امتنّ اللّه بها عليهم ، ولكانت لغوا لا يحتاجون إليها في شئ ، ولا يعملونها إلا في أمر قد أتاهم به تنزيل ، ولكن اللّه منّ عليهم بدينهم الذي لم يكن يسعه رأيهم ، كما قال عباد اللّه المتّقون : « وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ » . ثم جعل ما سوى ذلك من الأمر والتدبير إلى الرأي ، وجعل الرأي إلى ولاة الأمر ، ليس للناس في ذلك الأمر شئ إلا الإشارة عند المشورة ، والإجابة عند الدّعوة ، والنصيحة بظهر الغيب ، ولا يستحقّ الوالي هذه الطاعة إلا بإقامة العزائم والسّنن مما هو في معنى ذلك ، ثم ليس من وجوه القول وجه يلتمس فيه إثبات فضل
--> ( 1 ) القفول : الرجوع . ( 2 ) أوتغ نفسه : أهلكها . ( 3 ) في الأصل « تسع » وهو تحريف .