أحمد زكي صفوت

33

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

- بما أصلح اللّه الأمة من بعده - أشدّ اهتماما من بعض الولاة بما لا يصلح رعيته في سلطانه ، وما أشدّ ما قد استبان لنا أن أمير المؤمنين أطول بأمر الأمة عناية ، ولها نظرا وتقديرا ، من الرجل منا بخاصّة أهله ، ففي دون هذا ما يثبّت الأمل ، وينشّط للعمل ، ولا قوة إلا باللّه ، وللّه الحمد ، وعلى اللّه التمام . فمن الأمور التي يذكّر بها أمير المؤمنين - أمتع اللّه به - أمر هذا الجند من أهل خراسان ، فإنهم جندلم يدرك مثلهم في الإسلام ، وفيهم منعة بها يتمّ فضلهم إن شاء اللّه أمّا هم فأهل بصر بالطاعة ، وفضل عند الناس ، وعفاف نفوس وفروج ، وكفّ عن الفساد ، وذلّ للولاة ، فهذه حال لا نعلمها توجد عند أحد غيرهم . وأمّا ما يحتاجون فيه إلى المنفعة من ذلك ، فتقويم أيديهم ورأيهم وكلامهم ، فإن في ذلك اليوم أخلاطا « 1 » : من رأس مفرط غال ، وتابع متحيّر شاكّ ، ومن كان إنما يصول على الناس بقوم لا يعرف منهم الموافقة في الرأي والقول والسّيرة ، فهو كراكب الأسد الذي يوجل « 2 » من رآه ، والراكب أشدّ وجلا ؛ فلو أن أمير المؤمنين كتب لهم أمانا معروفا بليغا وجيزا ، محيطا بكل شئ يجب أن يعملوا « 3 » به أو يكفّوا عنه ، بالغا في الحجّة ، قاصرا عن الغلوّ ، يحفظه رؤساؤهم حتى يقودوا به دهماءهم « 4 » ، ويتعهّدوا به منهم من دونهم من عرض الناس ، لكان ذلك إن شاء اللّه لرأيهم صلاحا ، وعلى من سواهم حجّة ، وعند اللّه عذرا ، فإن كثيرا من المتكلمين من قوّاد أمير المؤمنين اليوم إنما عامّة كلامهم فيما يؤمر الأمر ، ويزعم الزّعم أن أمير المؤمنين لو أمر الجبال أن تسير سارت ، ولو أمر أن تستدبر القبلة بالصلاة فعل ذلك ، وهذا كلام قلّما يرتضيه من كان مخالفا ، وقلّما يرد في سمع السامع إلا أحدث في قلبه ريبة

--> ( 1 ) في الأصل « اختلاطا » وهو تحريف . ( 2 ) أي يخاف . ( 3 ) في الأصل « أن يقول » وهو تحريف . ( 4 ) الدهماء : جماعة الناس ، وعرض الناس بالضم ويفتح : معظمهم .